أقلام حرة

غياب شخصية فلسطينية لا تتكرر

حمادة فراعنة

غاب عنا أبو هشام، ليس هو الأول، ولن يكون الأخير، بل نحن على الطريق، كل منا خلف الآخر، حسب ظروفهم وصمته وقدرته على المقاومة، مقاومة المرض، المتاعب التي تواجهنا كأفراد وكمجتمع، بل وكشعب بأسره سواء كنا داخل الوطن، وحتى خارجه.
غاب أصدقا، شركاء لنا ولكم، ورحلوا، كل منهم بأدوات وظروف مختلفة، نفتقدهم، بعضهم بالاغتيال، وبعضهم بسبب السجون والاعتقال، وبعضهم وأقلهم لكبر السن، وغالبيتهم في ذروة العطاء والتصادم والشموخ.
سميح عبدالفتاح أبو هشام واحد منهم، ليس أعظمهم، وليس أكثرهم، وليس أهم واحد منهم، ولكنه واحد منهم: عظيم، كبير، مهم، ولكنه ليس لأي واحد منهم، لكل منه شخصيته نعم: من السفراء الذين استشهدوا، إلى أبو عمار وأبو جهاد وصلاح خلف، إلى د. جورج جبش وطلعت يعقوب وأبو العباس، لم يكن بمستواهم وظيفياً، ولكنهم يقع بينهم، متفرداً بما يملك من وضوح الرؤية، وتعميم على عدم التغيير استجابة إلى الحاجة أو إلى المصلحة، بل جذرياً كان، فلسطينياً حتى نخاع العظم، مستهتراً بكل ما هو غير نقي، غير نظيف، غير كفؤ، لم يكن مجاملاً لكل هذه الأصناف، وبالذات إذا كانوا مواقع قيادية ينشرون الهابة، أو يدعونها أو يسعون لتسويقها.
لم يكن كاتباً، ليخلد ما كان يقوله، ولكنه كان خالداً ولا زال بمواقفه وتعليقاته وإصابة المستهدف بكل وضوح وبساطة وكلمات منتقاه، كأنه شاعر أو كاتب فذ، لم يكن كذلك، ولكن حينما ندقق بإرث وقائع واستذكار أصدقاء ما قاله أو فعله أبو هشام، نجد أن تراثه في القول والفعل والحدث، نجده لدى كافة الأصدقاء الذين التقاهم وعاش معهم واشتبك مع أفعالهم، ولا أقصد الاشتباك السلبي بل اشتباك المعاشرة الأخوية ذات المصداقية، بدءاً من أبو إياد، إلى محمود درويش، إلى ياسر عبد ربه إلى أسعد عبدالرحمن وغيرهم الذين ذكروه ونقلوا عنه وخلدوه في ذكرهم له قبل رحيلهم، وهو غائب حي، أو بعد رحيله كماهو اليوم، بعد مرور سنة على رحيله وغيابه.
لم تكن حياته ويومياته مع زوجته وعائلته سمن على عسل، بل كثيراً ما كان منفراً متصادماً، مثل أي واحد منا، ولكنه كان يملك أسرة من زوجته المخلصة التي شكلت رافعة له في ذروة حياته، وفي مأساة مرضه، حيث كانت الحانية الوفية الممرضية، الطيبة، العاشقة لما فيه، وخلّف من الشباب ما يمكن توجيه التقدير والاحترام على نجاحهم وفرض حضورهم المهني والأكاديمي، وهذا يعود أيضاً إلى نوعية الزوج والأب اإنسان الذي كان يحمله أبو هشام في حياته وعلاقاته وإنسانيته المفرطة في التعامل مع الآخر، وخاصة مع أسرته.
أبو هشام سيبقى خالداً بروحه وتراثه وما كان يسعى ويفعل من أجل شعبه ووطنه من أجل فلسطين، ولدي تأكيد وثقة أنه سيواصل المراقبة المعنوية من موقعه المخفي وروحه اليقظة حتى تحقيق كامل تطلعات شعبه الفلسطيني في: أولاً دحر المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي وهزيمته، وثانياً من أجل انتصار المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني، وتحقيق كامل أهدافه في الحرية والاستقلال والعودة.

زر الذهاب إلى الأعلى