أقلام حرة

فخّ الحرب الإقليمية: هل يُدفع العرب إلى جبهة المواجهة مع إيران؟

د. نعيم الملكاوي

في عالم الصراعات الكبرى لا تُدار الحروب دائماً عبر الضربات المباشرة بين الخصوم، بل كثيراً ما تُبنى تدريجياً عبر إعادة تشكيل بيئة الصراع والتحالفات المحيطة به. فالقوى الكبرى تدرك أن المواجهة المباشرة مع خصم إقليمي كبير قد تكون مكلفة ومعقدة، ولذلك تلجأ أحياناً إلى استراتيجيات غير مباشرة تُفضي في النهاية إلى توسيع دائرة الصراع بحيث تتحول الحرب من مواجهة ثنائية إلى حرب متعددة الأطراف.

ضمن هذا السياق يمكن قراءة جانب مهم من التوتر المتصاعد في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

فخلال السنوات الماضية جرى بناء صورة واسعة عن إيران باعتبارها القوة الأكثر تهديداً في المنطقة، وهي صورة ساهمت في ترسيخها السرديات السياسية والإعلامية الغربية على حد سواء. وقد شكل هذا الخطاب جزءاً من استراتيجية أوسع يمكن وصفها بما يشبه تعظيم قوة الخصم، حيث يجري تضخيم صورة التهديد بما يخلق مبررات سياسية وأمنية لسياسات الردع أو المواجهة.

غير أن المشهد الحالي يبدو وكأنه يتجه إلى مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد الردع أو الضغط السياسي.

فثمة قراءة استراتيجية تشير إلى احتمال أن تكون الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى دفع إيران نحو توسيع دائرة ردودها في المنطقة، بحيث لا تقتصر الضربات – إن حدثت – على القواعد العسكرية الأمريكية، بل تمتد إلى المصالح المشتركة بين واشنطن وبعض الدول العربية في الشرق الأوسط.

وهنا يكمن جوهر التحول الخطير في طبيعة الصراع.

فلو بقيت الضربات – في حال وقوعها – محصورة في قواعد أمريكية، فإن المواجهة ستبقى في جوهرها صراعاً أمريكياً/اسرائيلياً – إيرانياً مباشراً يمكن احتواؤه ضمن حسابات الردع التقليدية.

أما إذا توسعت دائرة الاستهداف لتشمل البنى الاقتصادية أو الأمنية المشتركة بين الولايات المتحدة والدول العربية، فإن المعادلة السياسية قد تتغير جذرياً . إذ سيصبح الأمر حينها اعتداءً على مصالح تلك الدول نفسها، لا مجرد مواجهة مع الوجود العسكري الأمريكي.

وفي هذه الحالة قد يجد عدد من الدول العربية نفسه – بحكم حماية مصالحه وسيادته – أمام خيار الانخراط العسكري أو الأمني في المواجهة.

عند هذه النقطة يتحول الصراع من مواجهة ثنائية محدودة إلى مواجهة إقليمية واسعة، تتشكل فيها جبهة عسكرية تقف فيها الولايات المتحدة ومعها حلفاء إقليميون في مواجهة إيران وقد نرى حلفاء اخرون يتعسكرون في الجانب الإيراني .

إن مثل هذا السيناريو، إن تحقق، يعني أن الشرق الأوسط قد ينتقل من مرحلة حروب الظل والضربات المحدودة إلى مرحلة الاصطفافات العسكرية الكبرى.

لكن المفارقة أن هذا المسار يحمل مخاطر جسيمة على الجميع.

فإيران التي بنت استراتيجيتها العسكرية على مبدأ الردع غير المتكافئ وتعدد ساحات الصراع قد تسعى بدورها إلى توسيع مسارح المواجهة، سواء عبر أدواتها العسكرية المباشرة أو عبر شبكات النفوذ الإقليمي التي تمتلكها في أكثر من ساحة.

وفي المقابل فإن إدخال المنطقة بأكملها في صراع مفتوح قد يعني أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة استنزاف إقليمي طويل، تتداخل فيه الجبهات العسكرية مع الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعانيها المنطقة أصلاً .

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط احتمال الحرب، بل الطريقة التي قد تُبنى بها تلك الحرب.

فالحروب التي تبدأ عبر توسيع دائرة الاستهدافات غالباً ما تتحول إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة التي يصعب السيطرة عليها لاحقاً ، كل ضربة تفتح الباب لضربة أكبر، وكل اصطفاف جديد يدفع أطرافاً إضافية إلى ساحة المواجهة.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية في معادلة الصراع المقبلة:

هل يقف الشرق الأوسط أمام محاولة لإعادة تشكيل خريطة التحالفات العسكرية بحيث تتحول بعض الدول العربية إلى جزء من جبهة المواجهة المباشرة مع إيران؟
“وهذا ما تسعى اليه اسرائيل خلف الستار لتحقيق أحلامها ” ،
أم أن جميع الأطراف ما تزال تدرك أن إشعال حرب إقليمية بهذا الحجم قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها، ليس فقط على مستوى الشرق الأوسط، بل على مستوى النظام الدولي بأكمله؟

فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من الحروب الكبرى لم تبدأ بقرار واضح للحرب، بل بدأت بخطوات صغيرة بدت في لحظتها محدودة، لكنها قادت لاحقاً إلى انفجارات جيوسياسية واسعة وعسكرة واصطفافات اساسها الدفاع عن المصالح .

وفي الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع التوترات الإقليمية المعقدة، قد تكون شرارة واحدة كافية لإعادة رسم خرائط القوة في المنطقة لسنوات طويلة قادمة لتكون الركيزة الرئيسية لإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية للمنطقة .

زر الذهاب إلى الأعلى