واحة الثقافة

“القطار” حين تدور أحداث الزمن دون توقف عند ركام الماضي

الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير- نجلاء الصباح

ضمن فعاليات مهرجان مسرح الهواة الذي تقيمه وزارة الثقافة بالتعاون مع الهيئة العربية للمسرح ونقابة الفنانين الأردنيين، قدّمت فرقة عجلون المسرحية عرضها “القطار” بوصفه نصاً بصرياً وفلسفياً يتعامل مع الذاكرة الإنسانية بوصفها مكاناً مزدحماً بالفوضى، ومسرحاً للأوهام التي يصنعها الإنسان ليحتمي من الفراغ.

يفتتح العرض بصورةٍ سينوغرافية كثيفة، أكوام من الحقائب والأكياس والأثاث المغطّى بالغبار، كأن الخشبة تحوّلت إلى مستودعٍ للزمن المنسي. تدخل فتاة تحمل مكنسة، تحاول تنظيف المكان، في فعلٍ يبدو بسيطاً لكنه يحمل دلالة التطهّر من الفوضى الإنسانية. غير أن ظهور شابٍ من خلف الركام، متحدثاً عن المرضى بلغةٍ تأملية، يفتح باب النقاش الفلسفي حول فكرة المرض، ليس بوصفه حالة جسدية فحسب، بل باعتباره وصفاً للتاريخ نفسه.

يتصاعد الجدل بين الشخصيتين حول معنى الحياة وما إذا كان الزمن كله اعتلالاً مستمراً، قبل أن يدخل صوتٌ ثالث يعلن نفسه محامياً يتحدث عن الحقوق والملكية، وكأن الفوضى نفسها يمكن أن تصبح موضوع نزاع قانوني. ثم تظهر فتاة أخرى لتعلن أن لكلّ واحدٍ سرّه الخاص، وتبدأ بالكتابة على ظهر الفتاة التي تنظف المكان، في صورةٍ رمزية تشير إلى أن الإنسان يكتب تاريخه فوق جسد الآخر.

يقطع الغناء هذا التوتر حين تدخل فتاة ثالثة لتغني “غدّار”، فيتحول المشهد إلى حالةٍ جماعية يتلاشى فيها الفرد داخل الصوت الجمعي. ومع انطفاء الضوء، ينفتح العرض على مشهدٍ جديد، يدخل فيه بائعٌ ينادي على بضاعته، وتتبعه فتاةٌ ترتدي تاجاً تتحدث عن عرشٍ سرقته الرياح، لتتحول الخشبة إلى فضاءٍ بين السوق والذاكرة.

تدريجياً، تعود الشخصيات إلى الظهور، تبحث عن شيءٍ ضائع، إلى أن يعثر البائع على ما يظنه كنزاً، غير أن الطبيب يراه دواءً، بينما يصرّ المحامي على ملكيته، وتتساءل صاحبة التاج إن كان هذا ما تبقّى من عرشها. وفي لحظة وعيٍ مفصلية، تعلن الفتاة التي تحمل المكنسة أن الجميع يدورون حول وهم، وأن القطار سيأتي فجأة، في إشارةٍ إلى الزمن الذي لا ينتظر أحداً.

يصل العرض إلى ذروته حين يكتشف البائع أنه يبيع الوهم، وتكتشف صاحبة التاج أن تاجها لم يعد موجوداً، بينما يصف الطبيب الأشياء بأنها “ميتة تحمل مرض الزمن”، قبل أن ينكشف في النهاية أن الشخصيات كلها ليست سوى أبطالٍ لوهمٍ جماعي، وأن ما جرى على الخشبة كان محاولةً للقبض على حقيقةٍ لا يمكن الإمساك بها.

العرض، الذي شارك في حضوره الأدائي عبد الرحمن الصمادي، ومنوه الزغول، وأنس أبو عبدون، وأيهم القضاه، وعمار الزغول، ولما عنانزه، اعتمد على تكامل العناصر التقنية والفنية، حيث أسهم إبراهيم القضاه في بناء الإضاءة بوصفها لغةً موازية للحدث، بينما منحت الموسيقى التي عمل عليها علي منصور العرض إيقاعه الداخلي، وجاءت الرؤية الإخراجية التي قدّمتها ربا شعبان، تحت إشراف ومتابعة رنا المومني، قائمةً على الاشتغال الرمزي والانتقال بين الواقع والمتخيّل دون فواصل حادة.

في مجملها تبدو “القطار” تجربةً مسرحية تنشغل بفكرة الزمن بوصفه قطاراً لا يتوقف، وبالإنسان بوصفه مسافراً يحمل حقائب من الأوهام والذكريات، عرضٌ يطرح سؤال الملكية والهوية والحقيقة، ويترك المتلقي أمام احتمالٍ واحد، ربما لا يكون الواقع سوى خشبةٍ أخرى، نحاول فوقها أن نصدّق ما نراه.

زر الذهاب إلى الأعلى