
“اللحظة الأخيرة” حين يحاصر الإنسان ما بين واقعه وأحلامه
الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير-نجلاء الصباح
قدّمت فرقة إربد للفنون المسرحية في عرضها “اللحظة الأخيرة”، ضمن افتتاح مهرجان مسرح الهواة الدورة الرابعة الذي تنظمه وزارة الثقافة بالتعاون مع الهيئة العربية للمسرح ونقابة الفنانين الأردنيين، تجربةً مسرحية تميل إلى الاشتغال على الفكرة الوجودية أكثر من الحكاية التقليدية، حيث يتحوّل المسرح إلى مساحةٍ للتأمل في الإنسان حين يُحاصر بواقعه وأحلامه المؤجلة.
منذ المشهد الافتتاحي، يضع العرض المتلقي أمام توترٍ اجتماعي واضح، حين يتحول التغزل بفتاة إلى سلوكٍ فجّ يكشف اختلال العلاقة بين الفرد والآخر، لكن هذا التوتر لا يلبث أن ينقلب إلى بنية رمزية، عندما يصبح كلّ شابٍ سجين إطارٍ خاص به، استعارة بصرية تعبّر عن العزلة الداخلية التي يعيشها الإنسان المعاصر، حتى وهو داخل الجماعة، هنا ينتقل العرض من الفعل الخارجي إلى المونولوج الداخلي، ومن الواقعية المباشرة إلى التعبير الرمزي.
الشخصيات، التي جسّدها محمود العمري وعمرو أبو عاشور وميار الحمود وصفاء عباسي وبيان عرفات وحسن أبو النصر، تبدو وكأنها نماذج إنسانية أكثر منها أفراداً محددين، الرياضي، العازف، المغنية، العاشقة، وصانع المحتوى الرقمي، جميعهم يقفون على الحدّ الفاصل بين الحلم والانكسار، وقد أضافت مشاركة حمودة الزيتاوي وعبادة أبو عاشور، إلى جانب حضور رنيم مصطفى ممثلةً بديلة، بعداً جماعياً لفكرة الصراع المشترك مع الواقع.
يأتي الفايروس في العرض بوصفه عنصراً درامياً ورمزياً في آنٍ واحد، ليس مجرد حدثٍ صحيّ، بل قوةً خفية تعيد ترتيب مصائر الشخصيات وتدفعها إلى مواجهة ذواتها، وهنا ينجح العرض في تحويل تجربة إنسانية معاصرة إلى صورة مسرحية تعتمد الجسد والحركة أكثر من اعتمادها الحوار المباشر، مشاهد الصراع الجسدي مع “شيءٍ غير مرئي” كانت من أكثر اللحظات كثافةً، إذ عبّرت عن الخوف والاختناق والرغبة في النجاة بلغةٍ حركية واضحة.
ومن أكثر الخطوط الدرامية حساسيةً حضور الفتاة المقعدة التي يغدو صوتها الغنائي بديلاً عن الحركة، في مفارقةٍ بين قيود الجسد وحرية الصوت. المشهد الذي يجمعها مع العازف يقدّم الفن بوصفه محاولةً للنجاة، لا مشروعاً للشهرة، بينما يكشف مشهد صانع المحتوى الرقمي أزمة الهوية بين الصورة الحقيقية والهوية الافتراضية، أما الحوار بين الشاب والفتاة حول نظرة الرجل إلى المرأة، فقد جاء كتصادمٍ فكري مباشر يعكس توتراً اجتماعياً معاصراً، وإن مال في بعض لحظاته إلى الطرح الخطابي أكثر من الفعل المسرحي.
بصرياً، ساعد تصميم الديكور الذي أنجزته دانا داوود سليمان في تكريس فكرة “الإطار” بوصفه علامةً مركزية في العرض، بينما حافظت إدارة المسرح لسجود مقدادي على انسياب الانتقالات بين المشاهد. أما إخراج ميار الحمود، وتحت إشراف المخرجة رجاء الطاهات، فقد اتجه إلى بناء عرضٍ قائم على الصورة الرمزية والحركة الجماعية، مع محاولة تحقيق توازن بين الأداء الفردي والتكوين الكوريغرافي العام.
ينتهي العرض بصورةٍ بصرية ذات دلالة، حين يدخل شخصٌ يرتدي الأبيض ووجهه مغطى بالسواد، يتبعه آخرون بالسواد، وكأن المسرحية تعود بالسؤال إلى بدايته، هل “اللحظة الأخيرة” نهايةٌ أم بداية وعيٍ جديد؟
في مجملها، تبدو “اللحظة الأخيرة” محاولةً صادقة لتقديم مسرحٍ شبابي ينشغل بأسئلة الجيل المعاصر، العزلة، الجسد، الفن، الهوية الرقمية، والخوف من المجهول، وهي تجربة تعتمد الرمز والحركة الجماعية بوصفهما لغةً للتعبير عن هشاشة الإنسان في عالمٍ متغيّر، وتؤكد أن المسرح، حتى في بساطته، قادرٌ على تحويل القلق الإنساني إلى صورةٍ حيّة على الخشبة.














