أقلام حرة

جرينلاند شرارة الانفجار ، المعسكر الشرقي يراقب والناتو في مهب الريح …

د. نعيم الملكاوي

لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جرينلاند مجرّد شطحة سياسية أو خطاباً شعبوياً للاستهلاك الداخلي، بل جاءت كـ زلزال استراتيجي صامت هزّ أساسات حلف شمال الأطلسي، وكشف هشاشته البنيوية في لحظة عالمية شديدة الحساسية، حيث يقف الغرب والشرق على طرفي ميزان قوى يعاد تشكيله ببطء… لكن بثبات.

فحين يتعامل رئيس الولايات المتحدة مع أرضٍ تابعة لدولة حليفة داخل الناتو بمنطق “الصفقة”، فإن الرسالة لا تتوقف عند كوبنهاغن، بل تصل مباشرة إلى موسكو وبكين .
حيث كشفت ان التحالف الغربي ليس كتلة صلبة… بل كيان قابل للتصدّع من الداخل.

يكم الخطر الأكبر: حين يتحوّل الناتو إلى خطاب وصاية؛
والخطير لم يكن تصريح ترامب وحده، بل ما تلاه من خطاب أمين عام حلف الناتو، الذي تبنّى صراحةً الرواية الأمريكية القائلة إن أوروبا غير قادرة على الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة.
بهذا الخطاب، لم يطمئن الحلفاء، بل وجّه ضربة قاسية إلى صورة الناتو كتحالف ندّي، وحوّله – في نظر كثيرين – إلى مظلّة أمريكية بشروط سياسية.

هذه اللغة، في توقيتها وسياقها، لا تُضعف فقط الجبهة الغربية، بل تُقدّم للمعسكر الشرقي هدية استراتيجية مجانية:
دليل علني على أن الغرب منقسم، وأن ثقته بنفسه مهزوزة.

موسكو وبكين: قراءة باردة للشرخ الساخن

في موسكو، لا تُقرأ تصريحات ترامب كفوضى، بل كفرصة.
روسيا، التي تخوض صراع استنزاف طويل مع الناتو على تخوم أوكرانيا وأوروبا الشرقية، تدرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب خصمها ليس الدبابات، بل الشك المتبادل بين أعضائه.
كل تصريح يشكّك بقدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها، هو خطوة إضافية نحو تفكيك الردع الأطلسي دون إطلاق رصاصة واحدة.

أما في بكين، فالصورة أوسع.
الصين لا تنظر إلى الناتو كتحالف عسكري فحسب، بل كنموذج للنظام الغربي الذي تسعى إلى تجاوزه.
تصدّع الناتو، أو تحوّله إلى كيان أمريكي الطابع، يعزّز السردية الصينية بأن زمن الهيمنة الأحادية يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأن العالم يتجه حتماً نحو تعددية قطبية حقيقية.

أوروبا بين المطرقة الشرقية والوصاية الأمريكية؛

في هذا المشهد، تجد أوروبا نفسها محاصرة بين خيارين كلاهما مُرّ:
– الاستمرار تحت مظلة أمريكية متقلبة المزاج والقرار
– أو القفز نحو استقلال أمني يفتقر – حتى الآن – إلى الإرادة السياسية الموحدة

لكن المفارقة أن ضغط المعسكر الشرقي، مقروناً بتصريحات ترامب وخطاب الناتو، قد يكون العامل الحاسم الذي يدفع أوروبا إلى لحظة الإفاقة الكبرى.
فلا يمكن لقارة تواجه روسيا شرقاً ، وتراقب صعود الصين عالمياً ، أن تبقى بلا قرار أمني سيادي.

فهل يمكننا التكهن بناتو أوروبي؟
أم غربٌ منقسم وشرقٌ متماسك؟

من هنا، لم يعد الحديث عن جيش أوروبي موحّد أو تحالف دفاعي أوروبي مستقل فكرة نظرية، بل سيناريو يتقدّم بهدوء.
تحالف لا يهدف إلى كسر العلاقة مع واشنطن، لكنه يسعى إلى إعادة تعريفها من موقع الندّ لا التابع.

وإن فشل هذا المسار، فإن البديل أخطر:
غرب منقسم، يتآكل من الداخل، في مواجهة شرقٍ يتقن الصبر الاستراتيجي، ويبني نفوذه خطوة خطوة، بلا ضجيج.

الانفجار الصامت: حين تُعاد كتابة الخرائط دون إعلان ،

الانفجار داخل الناتو، إن حدث، لن يكون صاخباً .
لن نرى بيانات انسحاب ولا مؤتمرات انهيار، بل سنشهد ما هو أدهى:
– تراجع الالتزام الحقيقي
– ازدواجية التحالفات
– وصعود تفاهمات أمنية خارج الإطار الأطلسي

وعندها، لن يكون الصراع بين غرب وشرق فقط، بل داخل الغرب نفسه .
العالم يتغيّر… والناتو أمام مفترق تاريخي في ان يكون احد مفاصل هذا التغير !!!

قد يعتقد ترامب أن تصريحاته أدوات تفاوض، وقد يظن أمين عام الناتو أنه يصف الواقع كما هو، لكن الواقع أخطر من ذلك بكثير.
هذه الكلمات، في لحظة عالمية مشتعلة، قد تُسهم في تسريع ولادة نظام دولي جديد، لا مكان فيه لتحالفات تقوم على الوصاية.

جرينلاند لم تكن سوى الشرارة.
والشرق كان يراقب… ويفهم… ويستعد والتصعيد على جبهة ايران يشتد سعيره .

زر الذهاب إلى الأعلى