
“رمضان تحت الركام: شهادات من غزة تؤكد أنه الأسوأ في ذاكرة السكان”
الشاهين الإخباري – يارا المصري
يأتي شهر رمضان هذا العام على غزة مثقلًا بثقلٍ لم يعرفه سكانها من قبل. ليس لأنه الأول تحت الحصار، ولا لأنه الأول في ظل الفقر، بل لأنه يجتمع فيه الدمار، والنزوح، والجوع، والخوف في آنٍ واحد. وبينما يحاول العالم اختصار المشهد في أرقام وتقارير، يصرّ سكان غزة على حقيقة واحدة: هذا هو أسوأ رمضان مرّ عليهم في حياتهم.
تقول أم محمد، وهي أم لخمسة أطفال تقيم في مركز إيواء بعد تدمير منزلها:
“عشت حروبًا كثيرة، وصمت رمضان تحت القصف من قبل، لكن لم أمرّ يومًا برمضان كهذا. كنا فقراء نعم، لكن كان لدينا بيت، مطبخ، قدر نطبخ فيه. اليوم أفطر وأنا لا أعرف ماذا سأطعم أطفالي غدًا.”
في غزة، لم يعد رمضان شهر الاستعداد الروحي، بل شهر القلق اليومي. كثير من العائلات تدخل الشهر بلا مخزون طعام، وبلا مصدر دخل، وتعتمد كليًا على ما يصل من مساعدات غير منتظمة. حتى تلك المساعدات لم تعد كافية، ولا تضمن الاستمرارية.
يقول أبو أحمد، نازح من شمال القطاع:
“كنا ننتظر رمضان لنشعر بشيء من الفرح رغم كل شيء. اليوم ننتظره بخوف. الصيام صار ثانويًا أمام سؤال: هل سنجد ما نفطر عليه؟ هل سنبقى أحياء حتى السحور؟ هذا ليس رمضان الذي نعرفه.”
المعاناة لا تقتصر على الطعام. انقطاع الكهرباء والمياه يحوّل الصيام إلى عبء جسدي قاسٍ، خصوصًا لكبار السن والمرضى. كثيرون يفطرون على وجبة باردة، بلا ماء كافٍ، وبلا إمكانية لتخزين أو طهي.
تروي الحاجة أم خليل، وهي سيدة مسنّة تعاني من مرض السكري:
“في رمضان الماضي كنت أتعب، لكن كنت أجد دوائي وماء باردًا. اليوم لا دواء، ولا كهرباء، ولا راحة. أصوم وأدعو الله أن يمر اليوم فقط.”
أما الأطفال، فقد فقدوا علاقتهم المعتادة بالشهر. لا فوانيس، ولا حلويات، ولا ملابس جديدة. رمضان بالنسبة لهم صار مرتبطًا بالخيام، والطوابير، وأصوات الطائرات.
يقول الطفل يزن (10 سنوات):
“كنت أحب رمضان لأننا نسهر ونلعب بعد التراويح. الآن لا نخرج، ولا نلعب. أخاف في الليل. أمي تبكي كثيرًا، وأنا لا أعرف كيف أفرح.”
حتى المساجد، التي كانت مساحة عزاء روحي، لم تسلم. كثير منها دُمّر، وما تبقى يُستخدم بحذر. صلاة التراويح تُقام أحيانًا في العراء أو داخل مراكز الإيواء، وسط دموع أكثر من الأصوات.
يقول أحد الشبان:
“نصلي وندعو، لكن الدعاء هذه المرة مختلف. لا نطلب الزيادة، نطلب فقط أن يتوقف النزيف، وأن يمر هذا الشهر بلا جنازات جديدة.”
يتفق معظم من تحدثوا أن هذا رمضان ليس الأصعب ماديًا فقط، بل نفسيًا أيضًا. فالفقد الجماعي، والنزوح المتكرر، وانعدام الأفق جعل الشهر يبدو أطول وأثقل من أي وقت مضى. حتى الصبر، الذي اشتهر به الغزيون، يبدو اليوم مُرهقًا.
رمضان في غزة هذا العام ليس شهر الطقوس، بل شهر البقاء. ليس شهر التجمع، بل شهر التشتت. ومع ذلك، ورغم كل شيء، ما زال الناس يتقاسمون القليل، ويدعون لبعضهم البعض، ويتمسكون بما تبقى من روح الشهر.
لكن الرسالة التي يكررها السكان بلا تردد واضحة:
هذا هو أسوأ رمضان مرّ على غزة، ليس لأنه جاء في الحرب فقط، بل لأنه جاء في لحظة انكسار عميق، حيث لم يعد الألم استثناءً، بل قاعدة يومية يعيشها الجميع.










