أقلام حرة

حين يسقط الذباب الإلكتروني في امتحان الشرف والموضوعية

محمد علي الزعبي

في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتكاثرت فيه المنصّات، برز ما يُعرف بـ«الذباب الإلكتروني» كظاهرة عابرة للحدود، تتغذّى على التشويه، وتعيش على الطعن، وتقتات على الإساءة المجانية للأشخاص والمؤسسات، دون مهنية، ولا أخلاق، ولا مسؤولية. أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تستهدف فكرةً لتناقشها، ولا سياسةً لتفككها، بل تتعمّد النيل من الأعراض، وتزييف الوقائع، وبثّ الأكاذيب تحت عناوين وهمية وشعارات زائفة.

ما يجري من حملات منظّمة تصدر من خارج الأردن، وتستهدف مؤسسات الدولة الأردنية، وعلى رأسها وزارة الشباب ووزيرها وبعض مدرائها، ليس نقدًا ولا رأيًا، بل هو انحدار أخلاقي وإعلامي لا يمت بصلة لمهنة الصحافة ولا لقيم الاختلاف، فالصحافة، لمن نسي، رسالة ومسؤولية، وليست سكينًا مسمومة تُغرس في سمعة الناس على منصّات افتراضية بلا أسماء ولا وجوه.

وزارة الشباب، التي اختارها هؤلاء هدفًا سهلًا، هي من أكثر مؤسسات الدولة تماسًا مع الناس، ومع الشباب تحديدًا، تعمل في الميدان، وتحت الضوء، وبأدوات محدودة أحيانًا، لكنها تحاول، وتجتهد، وتخطئ وتصيب، كما تفعل كل مؤسسات العالم، أما تحويل الاجتهاد إلى تهمة، والخطأ إن وُجد إلى خيانة، فذلك سلوك لا يخدم وطنًا ولا قضية.

الأردن دولة مؤسسات، لا تُدار بالمنشورات المجهولة، ولا تُقاس إنجازاتها بعدد التغريدات المسمومة، من أراد النقد فليأتِ به موثقًا، واضحًا، شجاعًا، موقعًا باسمه، لا متخفيًا خلف حسابات وهمية تمتهن الطعن في الأعراض وتروّج الإشاعة كأنها حقيقة، فالفارق كبير بين ناقدٍ يحرص على المصلحة العامة، ومحرّضٍ يبحث عن الفوضى والتشويه.

إن استهداف وزير الشباب أو أي مسؤول في الدولة بهذه اللغة السوقية لا يمسّ الشخص بقدر ما يكشف مستوى من يقف خلفها، فالمناصب تزول، أما السمعة المهنية للدولة فلا تُمسّ بهذه السهولة، والأردنيون، قيادةً وشعبًا، خبروا هذا النوع من الحملات، واعتادوا أن يميّزوا بين النقد الوطني، وبين الإساءة المدفوعة بأجندات لا علاقة لها بالأردن ولا بشبابه.

لسنا ضد النقد، بل نؤمن به ضرورةً للتصويب والتطوير، لكننا ضد التشهير، وضد الكذب، وضد تحويل الفضاء الرقمي إلى محكمة تفتيش بلا قانون، الدفاع عن مؤسسات الدولة ليس ترفًا ولا اصطفافًا أعمى، بل واجب أخلاقي حين يتحوّل الصمت إلى تواطؤ.

سيبقى الأردن أكبر من الذباب الإلكتروني، وستبقى مؤسساته أقوى من حملات التشويه، وسيبقى الشباب الذين يدّعون الدفاع عنهم زورًا أذكى من أن تنطلي عليهم هذه الأساليب الرخيصة، أما الحقيقة، فهادئة، ثابتة، لا تصرخ… لكنها دائمًا تنتصر.

زر الذهاب إلى الأعلى