أقلام حرة

نونُ الاقتصاد حين تُزهرُ الكفايةُ على يدِ الكفاءة

الدكتورة ريما الشهوان

حين يُنزَع عن الاقتصاد قشرُ الأرقام، ويُعاد إلى جوهره الإنساني، لا يعود علمًا جامدًا ولا لعبة مؤشرات، بل يغدو سيرةَ حياةٍ كاملة، وأسئلةً يومية تتقاطع فيها المعيشة بالكرامة. كيف نعيش، كيف نعمل، وكيف نحمي الإنسان من التآكل تحت ضغط الحاجة وشحّ الموارد. في هذا المعنى العميق، تحضر المرأة لا كإضافةٍ عابرة إلى الخطاب التنموي، ولا كصورةٍ رمزية تُستدعى عند الحاجة، بل كفاعلٍ أصيل تشكّل وعيه عبر ممارسةٍ طويلة لفنّ التدبير، وصناعة الاتزان، وربط الممكن بالواقع قبل الارتهان للحلم.

لم تدخل المرأة عالم الاقتصاد من باب الادّعاء، ولم تقف على عتبته طلبًا لاعترافٍ متأخر. دخلته وهي تحمل معرفةً تراكمت في التفاصيل التي لا تلتفت إليها التقارير. في إدارة البيت كما في إدارة الوقت، في موازنة الدخل المحدود كما في ترتيب الأولويات، في ترشيد القليل كما في حسن توجيه المتاح. تعلّمت باكرًا أن الوفرة ليست نقيض القلّة، بل ثمرة عقلٍ يحسن التقدير، وأن الخسارة لا تبدأ عند نفاد المال، بل عند اختلال البوصلة، وحين يُدار الاقتصاد بلا وعيٍ اجتماعي أو حسّ إنساني.

وحين تمضي المرأة في درب الريادة الاقتصادية، فإنها لا تفعل ذلك بدافع المغامرة السريعة، بل بعينٍ فاحصة ترى في السوق مساحة بناء لا ساحة اقتناص. تدخل الاستثمار وهي مدركة أن الاقتصاد لا يعيش منفصلًا عن المجتمع، وأن كل قرار مالي يترك أثره في حياة الناس، في العمل، في الاستقرار، وفي الإحساس بالأمان. تفكّر في الأثر كما تفكّر في العائد، وتزن الخطوة بميزانٍ طويل النفس، وتدرك أن ما يُبنى على عجل ينهار على عجل، وأن المشاريع التي تنمو بهدوء تكتسب مناعة الزمن. رأس مالها الأعمق ليس السيولة، بل فهم البشر، والقدرة على قراءة تقلّباتهم، وإدارة اللحظات الحرجة دون ضجيج أو استعراض.

وفي زمنٍ صار فيه الاستعجال فضيلةً زائفة، جاءت المرأة إلى الاقتصاد بإيقاعٍ أكثر اتزانًا. لا تُخاصم الطموح، لكنها لا تسلّمه زمام القرار. تعرف متى تتقدّم، ومتى تتريّث، ومتى يكون التراجع خطوة حكيمة لا هزيمة. ولهذا بدت تجاربها أقل صخبًا وأكثر رسوخًا، بعيدة عن الطفرات السريعة، قريبة من المعنى الطويل الذي يربط النمو بالاستقرار الاجتماعي، ويجعل الاقتصاد في خدمة الحياة لا العكس.

ومن هذا الوعي، يتشكّل نمط اقتصادي لا ينفصل فيه الربح عن المسؤولية. لا إنكار لقوانين السوق، ولا تهرّب من المنافسة، غير أن الإنسان يبقى حاضرًا في صميم المعادلة. العامل ليس رقمًا عابرًا، والمنتِج ليس أداة، والمجتمع ليس هامشًا يُضحّى به عند أول اختبار. هنا يصبح الاقتصاد ممارسةً أخلاقية بقدر ما هو نشاط مالي، ويغدو النجاح سؤالًا عن الأثر الاجتماعي بقدر ما هو سؤال عن الأرباح والأحجام.

أدركت المرأة، من صلب التجربة لا من تنظيرٍ مجرّد، أن المال حين يُترك بلا قيمة حاكمة يتحوّل إلى عبء، وأن الثروة التي لا تلامس حياة الناس تفقد معناها سريعًا. لذلك أعادت تعريف المال بوصفه وسيلة تمكين، وجسرًا للفرص، وأداة لردم الفجوات لا لتعميقها. لم تتعامل معه كغاية مكتفية بذاتها، بل كوظيفة لها تبعات ومسؤوليات، وامتحان دائم للضمير قبل الحساب.

ومن هنا، لم يعد حضور المرأة في الاقتصاد حضورًا تكميليًا أو رمزيًا. صار جزءًا من العقل الذي يعيد ترتيب الأولويات، ويضبط إيقاع الإنفاق، ويوجّه الاستثمار نحو مسارات أكثر توازنًا وعدالة. وجودها في المصارف، والشركات الكبرى، ومؤسسات التنمية لم يكن لإكمال الصورة، بل لتصويبها، ولإعادة طرح الأسئلة الجوهرية حول معنى النمو وجدواه، وحول علاقة الاقتصاد بحياة الناس لا بأرقامهم فقط.

المرأة التي اختارت الكفاءة طريقًا، والكفاية فلسفة، لم تطارد القمة بوصفها موقعًا، لأنها أدركت أن القمم تُصنع بالفعل الهادئ لا بالضجيج. فهي القمة حين يتحوّل العمل إلى أثر اجتماعي ملموس، وحين تستعيد الأرقام معناها الإنساني، وحين يزهر الاقتصاد لأنه وُضع في يدٍ تعرف أن التنمية الحقيقية لا تبدأ من السوق، بل من الإنسان، ولا تكتمل إلا بصون كرامته.

زر الذهاب إلى الأعلى