
الإيواء للأشخاص ذوي الإعاقة: متى يكون ضرورة وكيف يدار وفق الممارسة الدولية الرشيدة
الدكتور احسان الخالدي
الإيواء للأشخاص ذوي الإعاقة ليس مفهوما واحدا ولا ممارسة متجانسة، بل هو جزء من منظومة متكاملة للرعاية والحماية الاجتماعية، ان المرجعيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، تؤكد أن الدمج المجتمعي والعيش المستقل هو الهدف الأساسي، لكنها في الوقت نفسه لا تستبعد الإيواء كخيار مشروع عندما لا تكون الأسرة أو البيئة المجتمعية قادرة على توفير الرعاية الآمنة والمناسبة.
والإشكالية عالميا لم تكن يوما في وجود الإيواء بحد ذاته، بل في نماذج الإيواء المؤسسي الكبير المعزولة، التي أثبتت الدراسات أنها تؤدي إلى آثار نفسية واجتماعية سلبية؛ وهو ما دفع الدول إلى إعادة تصميم الإيواء لا إلغائه.
تفرق الممارسة الدولية بوضوح بين أنواع الإيواء؛ فالمؤسسات الكبيرة التي تضم أعدادا كبيرة وتفتقر للرعاية الفردية تعد نموذجا متجاوزا، بينما يعد الإيواء التخصصي الحديث قائما على بيوت جماعية صغيرة أو سكن مدعوم داخل المجتمع، لا يتجاوز عدد المقيمين فيه عادة أربعة إلى ستة أشخاص، ويقع ضمن أحياء سكنية عادية مع إشراف مهني متخصص على مدار الساعة.
هذا النموذج مطبق في دول عديدة مثل كندا واستراليا والسويد وألمانيا، حيث تبين أن بعض الأشخاص ذوي الإعاقة الشديدة أو المتعددة يحققون استقرارا نفسيا ووظيفيا أفضل في هذه الترتيبات، مقارنة بمحاولات دمج أسرية غير جاهزة أو غير آمنة.
وفي هذا السياق، تؤكد الأدبيات العلمية أن الأسرة ليست دائما جاهزة تلقائيا لاستقبال ابنها بعد الخروج من الإيواء، حتى مع حسن النية؛ لذلك تشترط أفضل الممارسات الدولية أن يسبق الخروج برنامج تأهيل أسري متكامل، يشمل التدريب على مهارات الرعاية اليومية والتعامل مع السلوكيات الصعبة وإدارة الضغوط النفسية، وربط الأسرة بخدمات دعم مستمرة مثل: المرافق الشخصي والخدمات النهارية والمتابعة المنزلية. فالإخراج غير المدروس من الإيواء دون بناء قدرات الأسرة قد ينقل الخطر من مؤسسة إلى منزل، وهو ما يشكل شكلا آخر من أشكال الأضرار غير المقصودة.
وعليه، فإن الإيواء قد يكون في بعض الحالات الخيار الأفضل حاليا، سواء بشكل مؤقت أو متوسط الأمد، ليس لأنه الخيار المثالي، بل لأنه الأكثر أمانا وواقعية في مرحلة معينة من حياة الشخص وأسرته. الموقف العلمي الرشيد لا يقوم على شيطنة الإيواء ولا تقديس الدمج، بل على تقييم فردي دقيق يوازن بين مصلحة الشخص وقدرات الأسرة والموارد المتاحة، مع الالتزام بخطة واضحة تهدف – متى ما أمكن – إلى الانتقال التدريجي نحو الدمج أو السكن المدعوم.
بهذا الفهم يصبح الإيواء أداة حماية إنسانية لا انتهاكا، وجزءا من منظومة حقوقية مرنة تضع الإنسان في مركز القرار لا الشعارات.







