واحة الثقافة

عندما يصبح الزمن سجّانًا: ماركيز والمسرح العربي في مواجهة الديمومة المزيفة

الشاهين الاخباري ـ دعاء مأمون

الزمن يخنقنا، وعمّان تشهد على ذلك بصمتها المتوتر. جلستُ في مقعد المسرح، والعرض المسرحي أمامي يصرخ بصوت هادئ: كل شيء مألوف، كل حركة متكررة، كل نهاية معلقة كخيط هش في الهواء. لم يكن السؤال عن النص أو الأداء، بل عن الزمن نفسه، عن قدره في أن يتحول من خلفية للأحداث إلى سجان، يعيد إنتاج ما نعرفه من الألم والأمل، مرة بعد مرة، بلا مهرب.

 كان العرض جيدًا، والممثلون متقنين، والإضاءة موحية. لكنني خرجت بإحساس غامض: لقد رأيت هذا العرض من قبل. ليس هذا العرض بالتحديد، بل روحه، بنيته، حتى نهايته التي تترك الأمل معلقًا كخيط واهٍ في الهواء. عدت إلى البيت وفتحت مئة عام من العزلة لغابرييل غارسيا ماركيز، وأدركت أن ما يؤرقني ليس ضعف المسرح العربي، بل نجاحه المخيف في إعادة إنتاج الزمن ذاته الذي يزعم أنه يقاومه.

وربما احتجتُ إلى قراءة ماركيز تلك الليلة لأتأكد أن هذا الإحساس لم يكن تعبًا عابرًا أو انطباعًا ظالمًا، بل سؤالًا أعمق عن الزمن نفسه.

المسألة هنا ليست مجرد تقنية درامية أو اختيار جمالي، بل مشكلة أنطولوجية عميقة: كيف يتحول الزمن من إطار محايد للأحداث إلى بنية قامعة بحد ذاتها؟ كيف يصبح الزمن ليس فقط ما نعيش فيه، بل ما يعيش فينا، ما يحدد إمكانياتنا للفعل والتخيل والمقاومة؟

الفلسفة الحديثة ميّزت بين زمنين: الزمن القابل للقياس، القابل للتقسيم إلى وحدات متساوية كالثواني والدقائق والساعات، والزمن المعيش، الزمن كما نختبره فعليًا، حيث الساعة الواحدة من الألم ليست مساوية للساعة الواحدة من النشوة. لكن ما لم يُستكشف بعمق كافٍ هو إمكانية أن يصبح الزمن المعيش نفسه مسلّحًا، أن يتحول من تجربة ذاتية إلى أداة موضوعية للسيطرة.

هنا يأتي ماركيز، ليس كروائي يكتب حكايات، بل كفيلسوف للزمن المُسَيَّس. في عوالمه، الزمن ليس خلفية بل فاعل. ليس إطارًا بل محتوى. الديكتاتورية عند ماركيز لا تمارس عبر العنف المباشر فقط، بل عبر إعادة برمجة العلاقة الأنطولوجية بين الإنسان والزمن. في خريف البطريرك، الطاغية لا يحكم لأنه قوي، بل لأنه أصبح متزامنًا مع الزمن نفسه، أو بالأحرى، لأن الزمن توقف عند لحظة تنصيبه وأصبح كل ما يلي مجرد تكرار لتلك اللحظة الأولى.

الفلسفة الوجودية علّمتنا أن الإنسان الأصيل هو الذي يعيش نحو المستقبل، نحو إمكانياته الخاصة، نحو موته بوصفه الإمكانية الأكثر خصوصية وحتمية. لكن ماذا يحدث عندما يُغلق المستقبل؟ عندما لا يعود هناك اتجاه؟ عندما يصبح الزمن دائريًا، بلا أفق، بلا إمكانية للتجاوز؟ هنا يتحول الوجود من كينونة نحو الموت إلى كينونة نحو التكرار. الإنسان لا يموت ليختتم مشروعه الوجودي، بل يعيش ليكرر ما عاشه أسلافه، بلا تعلّم، بلا تطور، بلا خلاص.

نيتشه تحدث عن العود الأبدي، الفكرة الكونية أن كل شيء سيتكرر بلا نهاية. لكنه قدّمها كاختبار أخلاقي: هل تستطيع أن تعيش حياتك بطريقة تجعلك راضيًا عن تكرارها أبديًا؟ عند ماركيز، العود الأبدي ليس اختبارًا أخلاقيًا بل عقوبة وجودية. في مئة عام من العزلة، العائلة لا تختار تكرار أخطائها، بل محكومة بنوع من الحتمية الزمنية التي تتجاوز الإرادة الفردية.

الأسماء تتكرر عبر الأجيال: سبعة عشر رجلًا اسمهم أوريليانو، يموتون جميعًا موتًا عنيفًا. النساء يُدعَين أماراتا أو ريميديوس، ويعدن إنتاج نفس العلاقات، نفس الأشواق، نفس الفشل. التكرار هنا ليس رمزيًا بل حرفي، وهذه هي عبقرية ماركيز الفلسفية: جعل الاستعارة واقعًا، وجعل الواقع كابوسًا ميتافيزيقيًا.

الفلسفة المعاصرة تحدثت عن الزمن الباقي، الزمن الذي يعيشه من ينتظر شيئًا لن يأتي. هذا الزمن ليس مجرد فراغ، بل بنية نشطة من اليأس المنتج. في ليس للكولونيل من يكاتبه، الكولونيل ينتظر معاشه منذ خمسة عشر عامًا. كل جمعة، نفس الطقس: الذهاب إلى الميناء، السؤال، الجواب السلبي، العودة. الانتظار لا يُفضي إلى شيء، لكنه يملأ الحياة تمامًا، يصبح هو الحياة. هنا، الزمن لا يمر، بل يتراكم كثقل، كديْن متزايد على الروح.

والسؤال الفلسفي المحوري: هل هذا قمع؟ نعم، لكنه قمع من نوع خاص. إنه قمع بلا قامع مرئي، قمع مبطّن في بنية الزمن نفسه. السلطة لا تعمل عبر القمع فقط بل عبر إنتاج أنماط معينة من الرغبة والزمن. السلطة عند ماركيز تنتج أنماطًا معينة من الزمن: زمن الانتظار، زمن التأجيل، زمن التكرار. والإنسان لا يُقمع لأنه يُمنع من الفعل، بل لأنه يُنتج كذات زمنية عاجزة عن تخيّل زمن مختلف.

والآن، لننتقل إلى المسرح العربي. المسألة ليست أن المسرح العربي يقلّد ماركيز أو يستلهمه، بل أنه يعيش في نفس البنية الزمنية التي كتب عنها ماركيز، دون أن يدرك ذلك دائمًا. منذ هزيمة ألف وتسعمئة وسبعة وستين، المسرح العربي الجاد يدور في حلقة: الكارثة، المقاومة، الأمل المؤجل، الكارثة مجددًا. العناوين تتغير، الأسماء تتبدل، لكن البنية الزمنية ثابتة. المثل الأردني يقول: “ما في دخان بلا نار”، وكأن الحكمة الشعبية نفسها تعرف أن التكرار ليس مصادفة، بل نظام يُعيد إنتاج نفسه في كل دورة، حيث الأمل والخيانة يتعاقبان كالفصول، بلا مفاجآت حقيقية.

النقد الأدبي تحدث عن الأسلوب المتأخر، أسلوب الفنانين في آخر سنوات حياتهم، حيث يصبح العمل الفني أكثر تجريدًا، أكثر صعوبة، يرفض المصالحة والإغلاق السهل. لكن ماذا عن مسرح بأكمله عالق في أسلوب متأخر جماعي؟ مسرح يعيش منذ نصف قرن في ما بعد الكارثة، في زمن ما بعد الهزيمة، لكن دون أن ينتقل فعليًا إلى مرحلة تالية؟

المسرحيات العربية المعاصرة، خاصة تلك التي تتناول القضايا السياسية الكبرى، تعاني من شيء يمكن تسميته رهاب الإغلاق السردي. النهايات دائمًا مفتوحة، دائمًا تُلقي الكرة إلى المتفرج، دائمًا تترك أملًا غامضًا. لكن هذا الأمل، بعد عقود من التكرار، تحوّل إلى نوع من اليأس الإجرائي. نحن لا نأمل فعلًا، بل نمارس طقس الأمل، نؤدي حركات الرغبة في التغيير دون الإيمان الفعلي بإمكانيته.

فلسفة التاريخ علّمتنا أن هناك ملاكًا يُدفع نحو المستقبل بينما وجهه نحو الماضي، يرى الركام يتراكم أمام قدميه لكنه عاجز عن إيقاف العاصفة التي تدفعه. المسرح العربي يشبه هذا الملاك: يتحرك زمنيًا بعروض جديدة، نصوص جديدة، تقنيات جديدة، لكن وجهه دائمًا نحو نفس النقطة: الكارثة الأصلية، الصدمة التي لم تُعالج، الجرح الذي لم يُشفى.

في خريف البطريرك، أحد أكثر النصوص راديكالية في تفكيك العلاقة بين السلطة والزمن، الطاغية يعيش مئات السنين. أو ربما لا يعيش، ربما يموت ويُستبدل بآخر مطابق له، أو ربما الزمن نفسه انهار وفقد معناه. النص لا يحسم هذا، وهذا بالضبط ما يجعله فلسفيًا: عدم الحسم ليس نقصًا بل موقفًا معرفيًا. في عالم حيث السلطة أبدية، السؤال عن الحقيقة التاريخية يفقد معناه.

الفلسفة السياسية الحديثة قالت إن السلطة لا تُمارس فقط عبر القمع بل عبر إنتاج الحقيقة. السلطة تخلق خطابات، تصنّف، تحدد ما هو طبيعي وما هو شاذ. لكن ماركيز يضيف بُعدًا آخر: السلطة تنتج الزمن نفسه. في خريف البطريرك، لا أحد يعرف كم سنة مرّت منذ بداية الحكم. التواريخ متناقضة، الأحداث مرتبكة، الماضي والحاضر يتداخلان. النظام لا يكذب فقط عن التاريخ، بل يفكك إمكانية وجود تاريخ متماسك من الأساس.

 ماركيز لم يكن ساحرًا يستحضر الفراشات الصفراء والأشباح الجميلة. كان فيلسوفًا للزمن، جرّاحًا يشرّح البنى الزمنية التي تحكم الهزيمة والأمل. والمسرح العربي، إذا أراد أن يكون أكثر من مجرد مرآة للألم، عليه أن يتحول إلى جراحة زمنية: يفتح الزمن، يكشف آلياته، يفكك حتميته الظاهرية.

هذا لا يعني استيراد الواقعية السحرية كديكور جمالي. بل يعني الاشتغال الفلسفي العميق على الزمن بوصفه بنية قمع وإمكانية تحرر في آن. مسرح لا يروي فقط ما حدث، بل يكشف كيف أن طريقة حدوثه زمنيًا هي جزء من المعنى. مسرح لا يكتفي بقول نحن مهزومون، بل يسأل: ما هو الزمن الذي يجعل الهزيمة تبدو أبدية؟

النظرية الأدبية قالت إن الرواية هي شكل فني لعالم بلا إله، حيث المعنى لم يعد معطى بل يجب البحث عنه. المسرح العربي المعاصر يمكن أن يكون شكلًا فنيًا لعالم بلا مستقبل، لكن ليس بمعنى العدمية، بل بمعنى البحث عن طرق لصنع المستقبل من داخل زمن يرفضه.

في النهاية، الدرس الماركيزي ليس تقنيًا بل وجوديًا: الزمن ليس قدرًا، بل ساحة صراع. ومهمة المسرح ليست أن يعكس الزمن، بل أن يقاتله، أن يفتح فيه شقوقًا، أن يجعل الجمهور يشعر، ولو للحظة، بإمكانية زمن آخر. زمن لم يُعَش بعد، لكنه ليس مستحيلًا. زمن ليس موعودًا، لكنه قابل للبناء. زمن لا تحكمه السلطة وحدها، بل الخيال الجماعي المتمرد.

هذا هو الوعد الحقيقي للمسرح: ليس أن يحرر من الزمن، بل أن يحرر الزمن نفسه.

وربما لهذا السبب، وأنا أنهي هذا النص، لم أعد متأكدًة إن كنت أكتب عن المسرح وحده… أم عن نفسي كمشاهدة عالقة في الحلقة ذاتها.

زر الذهاب إلى الأعلى