أقلام حرة

حين يُستهدف الصحفي أمام منزله فهو اعتداء على الإنسان قبل المهنة

فداء الحمزاوي

آثرتُ الصمت منذ لحظة الاعتداء الإجرامي الذي تعرّض له زميلي الصحفي فيصل التميمي، وانتظرتُ إلى أن تمكّنت الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض على المعتدين، صمتي لم يكن تجاهلًا للجريمة، بل احترامًا لمسار العدالة، وإيمانًا بأن الحقيقة لا بد أن تظهر، وأن المجرمين لا بد أن يُحاسَبوا.

ما جرى مع فيصل لم يكن مجرد اعتداء جسدي عابر، بل جريمة مكتملة الأركان، استهدفت إنسانيته قبل مهنته، وأبوّته أمام أطفاله، ورجولته أمام زوجته، وأمن عائلته في محيط بيتهم، قبل أن تستهدف قلمه كصحفي. اعتداء نفّذه ملثمون جبناء، لا صلة لهم بالحق أو الشجاعة، سوى أنهم أدوات مأجورة لشخص تبرأت منه الإنسانية قبل أن يتبرأ منه القانون.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هنا، ما الجُرم الذي اقترفه فيصل ليستحق هذا الأسلوب الوحشي؟
أي عشّ دبابير نكشه بقلمه حتى وصل الأمر بخصومه إلى انتهاك حرمته وتهديد أسرته أمام باب بيته؟

هل وجد المحرّضون أن اللجوء إلى العنف أسهل من اللجوء إلى القضاء؟
أم أن ما كشفه فيصل كان قانونيًا ومدعومًا بالوثائق إلى درجة أن القانون لم يعد قادرًا على حماية المتورطين، فاختاروا طريق العصابات والزعران بدل قاعات المحاكم؟

ورغم بشاعة المشهد، لا بد من الإشارة إلى أن الجهات الأمنية لم تتقاعس عن أداء واجبها، وقد باشرت التحقيق فورًا، كما أن نقابة الصحفيين لم تلتزم الصمت أمام هذا الفعل المشين. لكن ذلك لا يلغي السؤال الأكبر والأخطر،
إلى متى سيبقى الصحفي يدفع ثمن عمله من أمنه الشخصي وسلامة أسرته؟
إلى متى سيبقى الصحفي مترددًا في نشر ملفات الفساد، خصوصًا في التحقيقات الاستقصائية، خوفًا من انتقام لا يطال جسده فقط، بل يطال أطفاله وزوجته وطمأنينة بيته؟

ماذا لو انتهى هذا الاعتداء بعاهة مستديمة؟
ماذا لو لا قدّر الله انتهى بإزهاق روحه؟
من كان سيتكفّل بأطفاله؟
ومن كان سيعوض زوجته عن شريك حياة خسرته لأنها ارتبطت بصحفي اختار أن يقول الحقيقة؟

كيف يمكن أن نطالب بأقلام حرة وشجاعة، إذا كان ثمن الحرية هو تهديد الحياة ذاتها؟

والمؤلم أكثر أن حادثة فيصل ليست الأولى، فقد سبق أن تعرّض صحفيون آخرون لاعتداءات وتهديدات بسبب عملهم المهني، ما يعني أننا أمام نمط مقلق لا حادثة فردية، يستوجب وقفة جادة تتجاوز بيانات الشجب والإدانة.

وهنا يبرز سؤال مهم جدا،ما هي الضمانات الحقيقية لحماية الصحفيين؟
وما هي الإجراءات العملية التي يتخذها مركز حماية الصحفيين في مثل هذه الحالات؟
وهل تقوم المؤسسات المعنية بدورها كجهات فاعلة ضمن خطط حماية واضحة، أم أننا نكتفي بأسماء رنانة وشعارات بلا أثر فعلي على أرض الواقع؟

إن الاعتداء على الصحفي ليس اعتداءً على فرد فقط، بل على حق المجتمع في المعرفة، وعلى مبدأ المساءلة، وعلى فكرة الدولة التي يُفترض أن يكون القانون فيها هو الفيصل، لا العنف ولا الترهيب.

قضية فيصل التميمي يجب ألا تُطوى بمجرد توقيف المنفذين، بل يجب أن تُستكمل بمحاسبة كل من حرّض وخطط وأمر، وبفتح نقاش وطني جاد حول حماية الصحفيين، ليس بالكلام، بل بالتشريعات والإجراءات والآليات الواضحة.

لأن الصحفي حين يخرج من منزله إلى عمله، يجب أن يكون أقصى ما يقلقه هو دقة المعلومة، لا سلامة أطفاله، ولا يجب أن تكون الحقيقة مشروع شهادة واستشهاد.

زر الذهاب إلى الأعلى