واحة الثقافة

حين يصير الجسد على الخشبة سؤالًا وجوديًا

الشاهين الإخباري – دعاء مأمون

السؤال ليس: هل يمكن للمسرح أن يحمل فلسفة؟ بل: ألا يكون التمثيل هو الشكل الأصلي للفلسفة ذاتها؟ فقبل أن يُكتب أول نص ميتافيزيقي، كان الجسد البشري—في حركته وصوته وحضوره—هو الوسيط الأول لتمثيل السؤال عن المعنى. المسرح ليس تطبيقًا للفلسفة، بل هو فلسفة في حالة تحقق.

حين قرأ هيغل “أنتيغونا” لسوفوكليس، لم يرَ صراعًا بين خير وشر، بل بين حقين متناقضين لا يمكن التوفيق بينهما: قانون العائلة مقابل قانون الدولة. هذا التناقض المأساوي ليس خطأ فكريًا، بل هو بنية الوجود الإنساني ذاته. على الخشبة، لا يُشرح هذا التناقض بل يُعاش. المتفرج لا يتلقى أطروحة فلسفية، بل يختبر تمزقه الداخلي—معرفة تأتي عبر الجسد والانفعال، لا عبر المنطق المجرد.

نيتشه فهم أن الفلسفة وُلدت من رحم المسرح، ثم خانت أصلها. في كتابه “مولد التراجيديا من روح الموسيقى”، يرى أن التراجيديا الإغريقية كانت توازنًا بين الديونيسي (الفوضى، الانفعال، النشوة) والأبولوني (الشكل، الحدود، الجمال)، لكن سقراط، بعقلانيته المفرطة، قتل هذا التوازن. المسرح، إذن، يُعيد الفلسفة إلى جذورها الحسية، حيث السؤال عن الوجود يُعاش كأزمة، لا كقضية منطقية. الممثل فيلسوف-جسد، يفكر بعضلاته وأعصابه.

أنتونان آرتو ذهب أبعد في كتاباته عن “مسرح القسوة”: ليس نظرية جمالية، بل إبيستيمولوجيا بديلة. المعرفة الحقيقية تأتي عبر صدمة الوعي، عبر تفكيك اليقينيات، عبر إعادة الإنسان إلى ما قبل اللغة، حيث الصرخة أصدق من الخطاب. في كتابه “المسرح وقرينه”، يقترح آرتو أن المسرح يجب أن يكون كالطاعون: يُظهر للمتفرج هشاشة نظامه الرمزي—ليس لتقديم تمثيل للحياة، بل لتقديم حياة أشد كثافة من الحياة اليومية.

في المقابل، قدّم برتولت بريشت “التغريب”  كتقنية معرفية: كيف نجعل المألوف غريبًا لنراه بوضوح؟ في كتاباته النظرية عن المسرح، يوضح بريشت أن حين يقطع الممثل دوره ويتحدث مباشرة للجمهور، فهو يكشف أن ما نعتبره “واقعًا طبيعيًا” هو بناء اجتماعي-تاريخي قابل للتفكيك. المتفرج لا يُطهَّر (بالمعنى الأرسطي للكاثارسيس)، بل يُسلَّح بأدوات نقدية لرؤية العالم كمشروع غير مكتمل.

موريس ميرلو-بونتي أسّس فلسفيًا لهذا الفهم في كتابه “فينومينولوجيا الإدراك”: الوعي ليس كيانًا مجردًا يسكن الجسد، بل هو جسد واعٍ. المعرفة تأتي عبر الانخراط الحركي-الحسي في العالم. الممثل يجسّد هذه الحقيقة الفينومينولوجية: يفهم الشخصية من خلال تبني وضعياتها الحركية، إيقاع تنفسها، توتر عضلاتها. الجسد ليس أداة تنفيذ لقرارات العقل، بل موضع الفهم الأولي.

أوغستو بوال حوّل هذه الرؤية إلى براكسيس تحرري في كتابه “مسرح المقهورين”. في تقنية “المسرح-المنتدى” ، الجمهور “متفرجون-ممثلون” يمكنهم إيقاف العرض وتجريب حلول بديلة للصراع المعروض. السؤال الوجودي: كيف نتعلم الحرية؟ بوال يقترح: عبر التمثيل، عبر تجريب أدوار مختلفة في فضاء آمن نسبيًا. المسرح يصبح بروفة على الثورة، صالة تدريب على الوجود.

جوديث بتلر، في كتابها “قلق الجندر” ، استخدمت استعارة مسرحية صريحة: الجندر هو أداء ، ليس جوهرًا ثابتًا بل سلسلة أفعال متكررة تخلق وهم الجوهر. الحياة اليومية مسرح، لكننا ننسى أننا نؤدي؛ في المسرح الفعلي، نتذكر. هذا التذكر لحظة فلسفية: انكشاف الطابع المبني  لكل هوية، لكل حقيقة.

في السياق العربي، يكتسب هذا بعدًا خاصًا. المسرح العربي الحديث، منذ نشأته في القرن التاسع عشر، حمل توترًا مزدوجًا: من جهة كان مشروعًا نهضويًا للتحديث، ومن جهة أخرى كان بحثًا عن جذور في أشكال الأداء التقليدية مثل خيال الظل، الحكواتي، السامر، والمقامات. هذا التوتر تعبير عن سؤال فلسفي أعمق: ما هي شروط إمكان المسرح في سياق ثقافي لم يعرف التراجيديا الإغريقية بمعناها الكلاسيكي؟

في الأردن تحديدًا، وُلد المسرح الحديث في منتصف القرن العشرين، في لحظة بناء دولة حديثة من مكونات اجتماعية متنوعة: مجتمعات بدوية وريفية وحضرية، إلى جانب مجموعات من أصول شركسية وشيشانية وأرمنية، ثم موجات اللاجئين الفلسطينيين منذ 1948، والعراقيين والسوريين لاحقًا. لم يكن المسرح مجرد فن، بل أصبح فضاءً ثقافيًا لطرح السؤال الوجودي: من نحن؟ ما الذي يجمعنا؟ كيف يمكن لهويات متعددة أن تتعايش؟

التجارب المسرحية الأردنية المبكرة، رغم محدودية الوثائق المتاحة عنها، سعت لتأسيس مسرح محلي يعكس الواقع الأردني ويخاطب قضاياه. التحدي الفلسفي كان: كيف تُمسرَح تجربة مجتمع تتعايش فيه ثقافات شفهية قوية مع محاولات التحديث؟ كيف يُبنى خطاب مسرحي في سياق لم تكن فيه الكتابة الدرامية تقليدًا راسخًا؟

في الستينيات والسبعينيات، في ظل المد القومي والأحداث السياسية الكبرى في المنطقة، صارت الخشبة الأردنية—كما في دمشق وبيروت والقاهرة—ساحة لتجسيد التناقضات: بين الحلم القومي والواقع المهزوم بعد 1967، بين الخطابات الرسمية والتجارب المعاشة. المسرح العربي عمومًا، والأردني ضمنه، مارس أشكالًا من النقد الاجتماعي والسياسي، مستفيدًا من تقنيات المسرح الملحمي البريختي وأساليب المسرح الشعبي.

التحدي المستمر كان: كيف يُبنى مسرح نقدي في سياقات سياسية لا تحتمل النقد المباشر؟ هنا، أصبحت تقنيات الإسقاط التاريخي، الرمز، والاستعارة—ليست مجرد أدوات جمالية، بل استراتيجيات ضرورية. المسرح طوّر ما يمكن تسميته “فلسفة الكناية”: المعنى لا يُقال صراحة، بل يُلمَّح إليه، يُترك للمتفرج أن يكمله. هذه ليست فقط رقابة ذاتية، بل شكل من المشاركة المعرفية: المعنى يُبنى مع المتفرج، في المسافة بين ما يُقال وما يُفهم.

مسرح الشارع والمسرح المجتمعي في الأردن، خاصة في العقدين الأخيرين، استفاد من منهجيات بوال لكن في سياقات محلية مختلفة. في مخيمات اللاجئين، استُخدم المسرح كأداة للدعم النفسي-الاجتماعي ولإعادة بناء الشعور بالفاعلية. حين يُطلب من طفل لاجئ أن يشارك في عمل مسرحي، يتعلم شيئًا فلسفيًا عميقًا: أن صوته مسموع، أن تجربته ذات معنى، أن الألم يمكن تحويله إلى تعبير إبداعي. المسرح يعلّم: الواقع قابل للتمثيل، وبالتالي قابل للتأويل والتغيير.

المسرح الجامعي الأردني—في الجامعة الأردنية، جامعة اليرموك، الجامعة الهاشمية وغيرها—يمثل فضاءً مهمًا: يلتقي طلاب من محافظات مختلفة وخلفيات اجتماعية متباينة، يحملون لهجات ولكنات متنوعة، ذاكرات ثقافية مختلفة. حين يتدربون معًا على مسرحية، يخوضون تجربة قد نسميها “فينومينولوجية”: يكتشفون أن الجسد الآخر يتحرك بطريقة مختلفة، أن النبرة تحمل معاني غير متوقعة، أن ما يُعتبر “طبيعيًا” في منطقة قد يكون غريبًا في أخرى. الخشبة تصبح مختبرًا لاختبار إمكانية—أو حدود—الفهم المشترك.

حين يُعاد تقديم قصص من التراث الشعبي على خشبات معاصرة، يحدث نوع من “الهيرمينوطيقا الجسدية”: الجسد المعاصر للممثل، بتدريبه وحساسيته المعاصرة، يقرأ النص التراثي بطريقة جديدة، يستخرج منه معاني لم تكن واضحة. حين تُمسرح أشكال أدائية تقليدية كالسامر البدوي أو الدبكة، يتحول الطقس الاجتماعي إلى موضوع تأمل: كيف يُنتج الجسد الجماعي معنى؟ كيف تُبنى الهوية والانتماء عبر التكرار الإيقاعي للحركة؟

في المحافظات الأردنية—إربد، الكرك، معان، العقبة وغيرها—تستمر محاولات لاستكشاف الذاكرة المحلية عبر المسرح، لتوثيق الحكايات والأغاني واللهجات الخاصة بكل منطقة. هذا ليس مجرد “حفظ للتراث”، بل ممارسة لما يمكن تسميته “أنطولوجيا محلية”: تأكيد على أن المعنى لا يُنتج فقط في المراكز الثقافية الكبرى، أن لكل مكان معرفته الخاصة وطرقه في فهم العالم.

جائحة كوفيد-19 وإغلاق المسارح كشفت شيئًا جوهريًا: المسرح، في عمقه، حدث جسدي-مكاني-زماني لا يمكن استبداله كليًا بالوسائط الرقمية. التجارب مع “المسرح الافتراضي” أظهرت حدود الشاشة. كانت الأزمة لحظة فلسفية: إعادة اكتشاف لما يجعل المسرح مسرحًا—الحضور المشترك، التنفس المشترك، المخاطرة المشتركة لأجساد في مكان واحد.

الإشكالية الفلسفية الأعمق للمسرح العربي عمومًا، والأردني ضمنه، هي التوتر بين “الأصالة” و”المعاصرة”، بين الرغبة في الانفتاح على التجارب المسرحية العالمية والخوف من فقدان الخصوصية الثقافية. لكن هذا التوتر ذاته، حين نعيد قراءته فلسفيًا، قد يكون موقعًا إبداعيًا: ليس المطلوب “الاختيار” بين أحدهما، بل العيش الخلاق لهذا التوتر نفسه.

المسرح في سياقه الأردني والعربي، في أفضل لحظاته، يمارس هذا: يستخدم تقنيات بريشت لقراءة نصوص محلية، يستلهم أفكار آرتو لإعادة اكتشاف طقوس شعبية، يستفيد من نظريات بتلر لتفكيك صور نمطية. هذا ليس انتقائية عشوائية، بل “هيرمينوطيقا إبداعية”: قراءة التراث بضوء الحاضر، وقراءة الحاضر بضوء التراث، وإنتاج معنى جديد.

على خشبة مسرح في عمّان أو إربد أو السلط، يمكن لممثل من خلفية معينة أن يجسّد شخصية من خلفية مختلفة تمامًا. هذه التبادلية أكثر من مجرد “تمثيل مسرحي”—إنها ممارسة فينومينولوجية للتعاطف: محاولة لأن “أكون” الآخر، لأن أسكن وجوده ولو مؤقتًا، لأن أفهم العالم من موقعه.

التمثيل، إذن، ليس وسيلة لتوصيل أفكار فلسفية، بل هو ذاته طريقة وجود فلسفية. يكشف أن الحقيقة ليست شيئًا نكتشفه جاهزًا، بل شيئًا نصنعه عبر الفعل؛ أن المعنى ينبثق من التجربة الحية؛ أن الجسد ليس عائقًا أمام المعرفة، بل هو شرط إمكانيتها. في عصر تهيمن عليه الصور المسجلة والواقع الافتراضي، يبقى المسرح—بحضوره الحي، بهشاشته، بلقائه الفريد غير القابل للتكرار—فضاءً للحقيقة الوجودية. تذكيرًا بأننا موجودون هنا، الآن، معًا.

المسرح فلسفة لأنه يطرح السؤال الأساسي بأكثر أشكاله عريًا: من نحن؟ ليس كسؤال نظري يُجاب عنه بتعريف، بل كسؤال عملي يُعاش في كل لحظة، يُعاد صوغه مع كل حركة، يظل معلقًا ومفتوحًا—تمامًا كستار لا يُغلق أبدًا بشكل نهائي.

زر الذهاب إلى الأعلى