
المسرح وقراءة غسان كنفاني: حين يفضح النص خشبةً تفضّل الصمت
دعاء مأمون
في تاريخ الأدب العربي المعاصر، ثمة كُتّاب يتجاوزون حدود الأجناس الأدبية ليصبحوا ظواهر فكرية تُعيد تعريف العلاقة بين النص والواقع. غسان كنفاني واحد من هؤلاء النادرين الذين لم تكن الكتابة لديهم مجرد حرفة أو موهبة، بل موقفًا وجوديًا يُعيد صياغة معنى الالتزام ذاته. ومع ذلك، لم يكن كنفاني كاتبًا مسرحيًا بالمعنى التقليدي، وهذه حقيقة غالبًا ما تُستدعى كذريعة لتبرير التعامل الحذر مع نصوصه على الخشبة، أو لتخفيف حدّتها، أو لتأجيل المواجهة معها بحجة «عدم ملاءمتها للمسرح».
لكن هذا الادّعاء، في جوهره الفلسفي، ليس توصيفًا أدبيًا بريئًا، بل ذريعة ثقافية تخفي خلفها قلقًا أعمق من مسألة الشكل الفني. إنها محاولة للهروب من المواجهة الحقيقية التي تفرضها نصوص كنفاني، تلك المواجهة التي لا تكتفي بطرح الأسئلة، بل تُلزم المتلقي بأن يختار موقعه في خريطة الصراع. فكنفاني لم يحتج إلى كتابة نصوص مسرحية تقليدية لأن ما كتبه كان، منذ اللحظة الأولى، أكثر مسرحية ــ بالمعنى الفلسفي والوجودي ــ من كثير مما قُدّم على الخشبات العربية تحت يافطات «الالتزام» أو «المقاومة» أو «الفن الهادف».
الإشكالية الأنطولوجية: المسرح في مواجهة الحقيقة
تكمن إشكالية كنفاني المسرحية في بُعد فلسفي عميق: أنه لا يمنح الخشبة فرصة الادّعاء بالحياد الأنطولوجي. نصوصه لا تسمح للمسرح بأن يكون مجرد مساحة عرض محايدة، ولا منصة تأمل جمالي منفصل عن الوجود التاريخي للإنسان. إنها نصوص تضع المسرح نفسه موضع مساءلة وجودية: هل هو أداة كشف للحقيقة المُقنّعة، أم جهاز تهدئة اجتماعي؟ هل هو فعل مواجهة حقيقي مع القهر، أم طقس ثقافي آمن يمنح المتفرج وهم المشاركة دون أن يُلزمه بشيء؟
في الفلسفة الوجودية، يُعتبر الاختيار والفعل جوهر الوجود الإنساني الأصيل. وكنفاني، في نصوصه، يُحوّل هذه المسألة الفلسفية إلى دراما حيّة لا تقبل التأجيل. شخصياته ليست مجرد كائنات تعاني، بل ذوات تقف على حافة الاختيار الوجودي، حيث الصمت والفعل ليسا مجرد خيارين، بل موقفين يحددان جوهر الإنسان ذاته.
«لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟»: فلسفة الصمت القاتل
هذا السؤال، الذي أصبح أيقونة أدبية، يُساء فهمه حين يُفصل عن قسوته الفلسفية الأصلية. كنفاني لا يطرح سؤالًا أخلاقيًا عامًا عن الصمت بالمعنى التجريدي، بل يقدّم لائحة اتهام أنطولوجية. الصمت في «رجال في الشمس» ليس مجرد موقف إنساني قابل للتعاطف أو التفسير النفسي، بل هو خيار قاتل يعكس استسلامًا للعدم، قبولًا بالتشيّؤ، رضوخًا لمنطق القهر الذي يُحوّل الإنسان إلى موضوع لا إلى ذات فاعلة.
الرجال في الخزان لا يُصوَّرون كضحايا مطلقين يستحقون الشفقة فحسب، بل ككائنات قبلت، ولو للحظة حاسمة، أن تؤجّل الصدام مع الجدار، أن تراهن على خلاصٍ يأتي من خارجها، أن تُسلّم إرادتها لمنطق السوق والتهريب والعبور اللاإنساني. هنا يكمن البعد التراجيدي الحقيقي: ليس في الموت بحد ذاته، بل في الموت صامتًا، في القبول ــ ولو للحظة ــ بمنطق الإذلال.
حين يُقدَّم هذا النص مسرحيًا، يظهر السؤال الجوهري الذي يفضح المسرح ذاته: هل يجرؤ على ترك الاتهام يعمل بكامل قسوته؟ أم يسارع إلى تفريغه عبر تحويله إلى استعارة وجودية عامة، أو تعميمه ليصبح «عن الإنسان في كل مكان وزمان»؟ في هذه اللحظة بالذات، يصبح المسرح شريكًا في الصمت ذاته الذي يدينه النص. التجريد، في هذه الحالة، ليس عمقًا فلسفيًا، بل آلية دفاع سيكولوجية، هروب من المواجهة تحت قناع العمق الإنساني.
«عائد إلى حيفا»: جدلية الذاكرة والهوية
في «عائد إلى حيفا»، يذهب كنفاني أبعد في استفزاز الخطاب المسرحي والثقافي السائد. النص لا يطلب تعاطفًا عاطفيًا، بل يفرض مواجهة فكرية ووجودية صارمة. لا يمنح أي طرف براءة كاملة، ولا يسمح بتذويب الجريمة التاريخية في نهر الزمن الجاري. هذه ليست مجرد حكاية عن الذاكرة والفقد، بل محاكمة فلسفية مفتوحة للتاريخ، للهوية، لمعنى الانتماء ذاته.
النص يطرح سؤالًا فلسفيًا مركزيًا: ما الذي يصنع الهوية؟ هل هي الدم والنسب، أم الذاكرة والمكان، أم الوعي والاختيار؟ سعيد في مواجهة دوف/خلدون ليس مجرد أب يبحث عن ابنه المفقود، بل ذات تواجه انهيار منظومتها الوجودية بأكملها، تكتشف أن ما ظنته ثوابت أنطولوجية (الدم، الأبوة، الانتماء) يمكن أن تُعاد صياغته بالكامل تحت وطأة التاريخ والقهر.
لذلك، فإن أي عرض مسرحي يحاول تقديم هذا النص بوصفه «دعوة للحوار الإنساني» أو «تأملًا في المعاناة المشتركة» إنما يرتكب خيانة فكرية صريحة لجوهر النص. كنفاني لا يكتب عن التعايش بوصفه قيمة أخلاقية عائمة أو مثالًا إنسانيًا مجردًا، بل يكشف بدقة جراحية كيف يُستخدم هذا المفهوم لتجاوز أصل العنف، لتطبيع الجريمة، لإعادة إنتاج القهر بلغة إنسانية ناعمة.
«أم سعد»: نقد الرومانسية الثورية
أما «أم سعد»، فهي النص الذي يفضح أكثر أشكال التواطؤ المسرحي والثقافي شيوعًا: تقديس الفقر والبؤس بدل فهمهما ومواجهة أسبابهما. كثير من القراءات المسرحية تعاملت مع أم سعد بوصفها رمزًا أموميًا دافئًا، امرأة صابرة راضية تمثّل «روح الشعب» و«أصالة المقاومة». هذا الاختزال مريح للمتلقي، لكنه مزيّف تمامًا وخائن لجوهر الشخصية.
أم سعد عند كنفاني ليست صورة فولكلورية جامدة، بل وعي حي يتشكّل ضد القهر، لا داخله. إنها لا تمجّد البؤس ولا تتصالح معه، بل ترفضه وتقاومه بكل ما تملك من أدوات بسيطة. لا ترى في المخيم قدرًا إلهيًا أو مصيرًا محتومًا، بل مرحلة تاريخية يجب تجاوزها. هذا التمييز حاسم: الفرق بين وعي يستسلم للواقع ووعي يقاومه، بين رمز ميت ووجود حي.
حين تُقدَّم هذه الشخصية على الخشبة بوصفها أيقونة رومانسية، يفقد النص خطورته الحقيقية وقدرته على الكشف. كنفاني لا يكتب ليصنع رموزًا قابلة للتعليق على جدران المؤسسات الثقافية، بل ليكشف كيف يتحوّل الإنسان العادي، بلغته البسيطة وأدواته المحدودة، إلى فاعل سياسي واعٍ من دون أن يحتاج إلى تغيير لهجته أو رفع صوته بخطاب أيديولوجي مباشر.
المسرح العربي وإشكالية الترويض
المشكلة الحقيقية، إذن، ليست في غياب نصوص المقاومة أو ندرة الأدب الملتزم، بل في آليات ترويضها وتدجينها ثقافيًا. المسرح العربي، في كثير من تجاربه المعاصرة، يميل بشكل ملحوظ إلى تقديم موقف «أخلاقي» بلا كلفة حقيقية، خطاب إنساني واسع وعام بلا تحديد تاريخي، مقاومة بلا خصم واضح ومسمّى. كنفاني يقف فلسفيًا ضد هذا الاتجاه من داخل بنية نصوصه ذاتها. هو لا يسمح بالحياد الزائف، ولا يعترف بالمناطق الرمادية حين تكون وظيفتها الأساسية حماية المتفرج من الانزعاج، منحه راحة الضمير دون إلزامه بموقف.
المسرح في مواجهة نفسه
ما يجعل كنفاني مادة مسرحية مزعجة ومقلقة حتى اليوم، أنه يفضح وهم الفصل الديكارتي بين الإنساني والسياسي، بين الوجودي والتاريخي. شخصياته لا تمثّل أفكارًا مجردة، بل تعيش نتائجها الوجودية المباشرة. لا أحد يخرج بريئًا تمامًا من نصوصه، ولا أحد يُدان بوصفه كاريكاتيرًا أحادي البعد. هذا التعقيد الأخلاقي والفلسفي لا يريح المسرح الذي يبحث عن رسائل جاهزة للاستهلاك، أو عن تصفيق أخلاقي سريع يمنح الجمهور شعورًا بالرضا دون أن يُكلّفه شيئًا.
من هنا، فإن استدعاء كنفاني إلى الخشبة اليوم ليس مجرد فعل وفاء ثقافي أو احتفاء بذكرى، بل اختبار حقيقي للشجاعة الفكرية والفنية. هل يملك المسرح الجرأة على أن يكون غير مريح؟ هل يستطيع أن يرفض دور «الوسيط المتوازن» المزعوم حين يكون التوازن نفسه جزءًا من آلية القهر؟
كنفاني لا يطلب من المسرح أن يكون ثوريًا بالمعنى الدعائي المباشر أو الشعاراتي، لكنه يرفض بإصرار فلسفي أن يكون صامتًا بأناقة. نصوصه لا تسمح بالوقوف في المنتصف الوهمي، ولا تمنح الخشبة حق الادّعاء بأنها «فوق السياسة» أو «محايدة إنسانيًا». في عالم تُعاد فيه صياغة القهر بلغة ناعمة وجمل إنسانية مخدّرة، يصرّ كنفاني بعناد على أن الجرح الوجودي لا يُشفى بالتأمل الفلسفي المجرد، بل بالاعتراف الواضح والمواجهة الحقيقية.
لهذا، فإن قراءة كنفاني مسرحيًا اليوم ليست عودة حنينية إلى الماضي، بل مواجهة صارمة مع الحاضر. مواجهة مع مسرح يخاف من الوضوح، ومع ثقافة تفضّل المجاز والغموض حين يصبح المعنى الصريح خطرًا. كنفاني، في نهاية الأمر، لا يسأل فقط لماذا مات الرجال في الخزان، بل يسأل سؤالًا أكثر قسوة وراهنية: كم خشبةً ما زالت، حتى الآن، تفضّل الصمت؟بالرضا دون أن يُكلّفه شيئًا.
من هنا، فإن استدعاء كنفاني إلى الخشبة اليوم ليس مجرد فعل وفاء ثقافي أو احتفاء بذكرى، بل اختبار حقيقي للشجاعة الفكرية والفنية. هل يملك المسرح الجرأة على أن يكون غير مريح؟ هل يستطيع أن يرفض دور «الوسيط المتوازن» المزعوم حين يكون التوازن نفسه جزءًا من آلية القهر؟
كنفاني لا يطلب من المسرح أن يكون ثوريًا بالمعنى الدعائي المباشر أو الشعاراتي، لكنه يرفض بإصرار فلسفي أن يكون صامتًا بأناقة. نصوصه لا تسمح بالوقوف في المنتصف الوهمي، ولا تمنح الخشبة حق الادّعاء بأنها «فوق السياسة» أو «محايدة إنسانيًا». في عالم تُعاد فيه صياغة القهر بلغة ناعمة وجمل إنسانية مخدّرة، يصرّ كنفاني بعناد على أن الجرح الوجودي لا يُشفى بالتأمل الفلسفي المجرد، بل بالاعتراف الواضح والمواجهة الحقيقية.
لهذا، فإن قراءة كنفاني مسرحيًا اليوم ليست عودة حنينية إلى الماضي، بل مواجهة صارمة مع الحاضر. مواجهة مع مسرح يخاف من الوضوح، ومع ثقافة تفضّل المجاز والغموض حين يصبح المعنى الصريح خطرًا. كنفاني، في نهاية الأمر، لا يسأل فقط لماذا مات الرجال في الخزان، بل يسأل سؤالًا أكثر قسوة وراهنية: كم خشبةً ما زالت، حتى الآن، تفضّل الصمت؟







