
المرأة ورحلة الإياب.. من رماد التضحية إلى سُرادق المهابة
بقلم: الدكتورة ريما فهد الشهوان
مستشارة وزير الأوقاف للشؤون الأسرية
ثمة نساء يعبرن الحياة كأنفاسٍ مختنقةٍ في رئتيّ الزمن، ينصهرن كشمعاتٍ في زوايا النسيان المعتمة، يمنحن الضوء للآخرين ويغفلن عن أن أرواحهن ليست “هوامش” في كتاب الوجود، بل هي مبتدأ المعنى وخبر الحياة. لقد حاولت الأغلال المجتمعية، والقوالب المعلبة، اختزال كينونة الأنثى في صورة باهتة رسمها لها المجتمع نيابة عنها، مما دفع الكثيرات إلى وأد بركانهنّ الداخلي، وتقديم رحيق أعمارهنّ في قرابين مجانية لمن لا يدرك أن الجمر لا يُقاس بملمسه، بل بما يختبئ في أحشائه من ضياء متمرد، وقلبٍ يئنّ تحت ركام التضحيات.
إن الوعي بالذات في فلسفة الروح ليس ترفاً ذهنياً، بل هو الصلبُ المقدّس الذي يستقيم به جسد الهوية، والمِعراج الذي يرفع الروح من حضيض التبعية. فحين ترهن المرأة مفاتيح مملكتها الخاصة لأمزجة الآخرين، وتفتح شرفات حنينها لتلعب دور “الطمأنينة” لغيرها على حساب سكينتها، فإنها تنزل من عرش سيادتها لتقبع في دهاليز الارتهان، وتفقد بوصلة قلبها الذي كان يوماً يهديها إلى شواطئها الآمنة. فإن إدراك القيمة الجوهرية – تلك التي لا تخدشها مخالب الجاحدين ولا يرفعها تملق المادحين – هو الذي يمنحها الجسارة لتكون هدير الطوفان الذي لا يُحبس، لا مجرد رجع صدىً يغرق في سحيق الأودية ووحشة الذات.
فالقوة الحقيقية للمرأة ليست منحةً تُستجدى من يد الظروف، بل هي “هيبة” فطرية تتجذر في أعماق روحها كالشجر المعمّر. الوعي بالذات يعني إعادة تخطيط تضاريس الروح، وكشط غبار الاعتذار عن طموحٍ يعانق ذُرا المستحيل، وشرع رتوج القلب لتلقي فيض الاعتراف الداخلي أولاً. ذاك الاعتراف الذي يبلسم الجراح القديمة ويُعيد للروح ربيعها المسروق. فمن لم تستشعر في صلصالها “سرَّ الإعجاز”، ولم تروِ بستانها الداخلي بماء الحب الذاتي، فلن تقع العين عليها إلا كعابرة سبيلٍ في زحام العابرين. بهذا اليقين، تنفض المرأة عن كاهلها غبار التردد وأثقال السنين، وتغدو هي الربان والبوصلة، تشيد حصنها النفسي بأسوار من الأنفة، وتكتب قدرها بمدادٍ من العزّة المقطرة من مسك الكبرياء، لتضيء دروباً كانت يوماً موحشة.
وعلى مِذبح الواقع، يتدفق هذا الوعي مواقفاً صلبة كالصوان لا تقبل التجزئة، فهو سياجٌ ناريٌّ يرسم حدود الحرمات الخاصة، ويدٌ حانية ترفض إراقة نور الروح في كؤوس عتمة الآخرين، وانعتاقٌ في آفاق الشغف بلا جَلدٍ للذات أو ارتجاف. المرأة التي تدرك جوهرها العميق هي الزلزال الذي يحرك ركود السكون ويزرع الأمل في الأرض القاحلة، والشمس التي لا يستر قرصها غربال التهميش، هي الكيان الذي لا يحتاج “صكوك غفران” أو “تأشيرات عبور” ليعلن عن سطوعه المدوّي في آفاق الوجود، بل هي تشرق من تلقاء ذاتها لتملأ الفضاء دفئاً وحياة.
إن استعادة الذات للمرأة ليست خياراً يُرجأ، بل هي استماتة وجودية وقيامة فكرية كبرى، ونداءٌ للروح كي تستفيق من سباتٍ طويل. فكل امرأة لا تزال تغزل من خيوط انكسارها دثاراً لتدفئة صقيع الآخرين، مدعوة اليوم لتدكَّ حصون الصمت التي سُجنت فيها، وتشيّد صرح كرامتها بما يليق بجلال جوهرها، لتتنفس أخيراً هواء الحرية الصافي. هذه هي الحرية في أسمى تجلياتها، أفن تكوني أنتِ النص الأصلي الذي يأبى التحريف، والنبض الصادق الذي لا يضلُّ ملامح الخلود، والروح التي تُعيد رسم الكون بجمالها الخاص هو جوهر الحياة ومحبتها.







