
بين جاهزية الدولة وضجيج الشعبوية
بقلم: محمد علي الزعبي
مع كل منخفض جوي يقترب من الأردن، يتكرر المشهد ذاته: دولة تتحرك مبكرًا، ومؤسسات ترفع الجاهزية، وأطقم ميدانية تنتشر قبل أن تهطل الأمطار، يقابلها في الضفة الأخرى ضجيج إعلامي وشعبوي يستعجل الإدانة، ويبحث عن ثغرة ليصنع منها رواية فشل، متناسيًا أن اختبار المنخفضات ليس امتحانًا للسماء، بل امتحانًا للإدارة، والتنسيق، والمسؤولية.
ما يحدث على أرض الواقع يختلف كثيرًا عما يُروَّج على بعض المنصات، فمع أولى التحذيرات الجوية، تنتفض مؤسسات الدولة كمنظومة واحدة، لا بمنطق ردّة الفعل، بل بعقل استباقي تراكمي تعلّم من التجارب، وطوّر أدواته، ورفع مستوى التنسيق بين الوزارات والأجهزة المعنية، هنا، لا تُدار الأزمة بالبيانات، بل بالفعل الميداني الصامت.
وزارة الأشغال العامة والإسكان تدخل المنخفض بخطط جاهزية واضحة، من صيانة مسبقة، وانتشار آليات، ومراقبة النقاط الساخنة على الطرق، إدراكًا منها أن الطريق العام مسؤولية سيادية، وأن الخطأ يُعالج، لكن لا يُترك بلا مواجهة.
وفي السياق ذاته، تقوم وزارة الإدارة المحلية بدورها المحوري عبر البلديات، باعتبارها خط الدفاع الأول في المحافظات، حيث تُفعّل خطط الطوارئ، وتُنسّق الجهود، وتتعامل مع التفاصيل الصغيرة قبل أن تتحول إلى أزمات كبيرة.
أما ما نجده في وزارة الداخلية، فهي عقل التنسيق الجامع، من خلال المحافظين وغرف العمليات المنتشرة، لضمان وحدة القرار وسرعة الاستجابة، ومنع أي ارتباك ميداني، فيما يواصل الأمن العام والدفاع المدني أداءهما المهني بعيدًا عن الاستعراض، بحضور ميداني متواصل، واستجابة فورية، وتضحيات يعرفها كل من مرّ بتجربة طارئة في هذا الوطن.
ولا يمكن إغفال الدور الحيوي الذي تضطلع به وزارة المياه والري، في إدارة السدود ومجاري السيول، وفق حسابات دقيقة تراعي سلامة المواطنين، وتحافظ على البنية التحتية، وتوازن بين الاستفادة من المياه ومنع المخاطر، في زمن باتت فيه التغيرات المناخية تحديًا حقيقيًا يتجاوز الحلول التقليدية.
المفارقة المؤلمة، أن كل هذا الجهد المؤسسي يُختزل أحيانًا في مقطع مجتزأ، أو صورة لحفرة، أو شارع غمرته المياه، ليُبنى عليها خطاب إدانة شامل، لا يميّز بين تقصير موضعي يجب معالجته، وبين منظومة تعمل تحت ضغط ظرف طبيعي استثنائي، لا توجد دولة في العالم تمنع المطر، لكن الدول تُقاس بقدرتها على إدارة آثاره، وهنا تحديدًا، يثبت الأردن أنه دولة تتعلم، وتُراجع، وتُصحّح، لا دولة تهرب من مسؤوليتها.
إن الدفاع عن مؤسسات الدولة في مثل هذه الظروف ليس تبريرًا للخطأ، ولا مصادرة لحق النقد، بل هو موقف وطني أخلاقي يرفض الظلم الإعلامي، ويضع حدًا للخلط المتعمّد بين النقد المسؤول الذي يسعى للتطوير، والشعبوية التي تبحث عن التصفيق السريع، فالموظف الذي يعمل تحت المطر، والجندي الذي يقف على الطريق، ورجل الدفاع المدني الذي يخاطر بحياته، لا يستحقون محاكمات افتراضية تُدار من خلف الشاشات.
في لحظات المنخفضات الجوية، كما في كل الأزمات، تتكشف حقيقة الدولة الحاضرة،، دولة تعمل قبل أن تتكلم، وتنسّق قبل أن تُبرر، وتضع سلامة المواطن فوق كل اعتبار. أما الضجيج، فسيبقى ضجيجًا… لا يحمي طريقًا، ولا ينقذ روحًا، ولا يبني ثقة.







