
تسامح الأديان حين يلتقي الإيمان بالإنسان
فداء الحمزاوي
في وقت الأعياد والمناسبات الدينية لشركائنا في الأرض إخوتنا المسيحيين وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة وتضيق فيه المساحات بين الناس، يبقى التسامح هو الامتحان الحقيقي للأديان، لا في نصوصها فقط، بل في سلوك أتباعها، فالدين أيّ دين لم يُخلق ليكون حاجزًا بين القلوب، بل جسرًا يعبر عليه الإنسان نحو أخيه الإنسان.
الإسلام والمسيحية، في جوهرهما، يلتقيان عند قيمة عليا اسمها المحبّة، محبة تُترجم رحمة، واحترامًا، واعترافًا بالآخر لا بوصفه خصمًا في العقيدة، بل شريكًا في الإنسانية والأرض والعرض، فمن غير المعقول أن يُختزل الإيمان في طقوس جامدة، بينما تُهمل الروح التي قامت عليها تلك الطقوس أساسًا.
كيف لرجلٍ زوجته مسيحية أن يقف متفرجًا في عيدها، لا يشاركها فرحتها، ولا يبادلها كلمة طيبة، وكأن المحبة تُجزّأ حسب العقيدة؟
وكيف لابنٍ أو ابنة أن يتجاهلوا أمهم في عيدها بحجة الاختلاف الديني، وكأن الأمومة تُلغى عند حدود الطائفة؟
وكيف لجارٍ أو صديق أن يغلق قلبه في وجه من يشاركه الخبز والملح والإنسانية، فقط لأن المعتقد مختلف؟
إن الإسلام الذي نعرفه دين الرحمة والعدل لم يأتِ ليكسر الروابط، بل ليحفظها، لم يعلّمنا القسوة، بل أوصانا باللين، وبالكلمة الطيبة، وبأن نكون شهودًا للخير أينما كان، والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام حين عاش بين غير المسلمين، لم يُقصِهم، ولم يُهِن معتقدهم، بل عاش بينهم إنسانًا قبل أن يكون نبيًا.
التسامح ليس تنازلًا عن العقيدة، ولا ذوبانًا في الآخر، بل هو وعيٌ أخلاقي راقٍ، وفهم عميق لمعنى الإيمان، هو أن تقول “أنا ثابت على ديني، لكن قلبي مفتوح للإنسان”، أن أفرح لفرحك، لا لأنني أتشبه بك، بل لأن إنسانيتك تهمّني.
في هذه الأرض، التي عرفت الأذان وقرع الأجراس معًا، لا يمكن للتعايش أن يكون شعارًا فارغًا، هو أسلوب حياة، ومسؤولية أخلاقية، وامتحان يومي لصدق إيماننا، فالدين الذي لا يُنتج محبة، هو من صنع البشر لأن دين الله مكلل بالحب والود والرحمة، لهذا يجب ان نعيد فهمنا لديننا الحنيف ولرسالة الإسلام الحقيقية بعيدا عن تشويه الدين بأفكار دخيلة عليه،لأن التسامح والتعايش ليس ضعفًا، بل قمة القوة الروحية تثبت قوة الايمان والتمسك بالعقيدة، وهو أن نكون بشرًا قبل أي شيء آخر.






