واحة الثقافة

“المهمة” عودة جراح إلى جحيم غزة ليشهد على الحقيقة التي أرادها الاحتلال أن تُدفن

الشاهين الإخباري – فداء الحمزاوي

في ثاني أيّام مهرجان كرامة لسينما الإنسان بنك الحقوق في دورته السادسة عشرة، يعرض الفيلم الوثائقي “المهمة”، الذي يتوغّل في قلب الجحيم الطبي في غزة عبر تتبّع الرحلة الثالثة لجراح الأعصاب البريطاني ذائع الصيت عالميًا، الدكتور محمد طاهر، خلال عودته لأداء مهمته الإنسانية في القطاع المحاصر.

يخوض طاهر وفريقه الطبي مغامرة وجودية تتجاوز العمل الطبي إلى فعل مقاومة أخلاقية، إذ يخاطرون بحياتهم لالتقاط مشاهد نادرة لعملهم داخل غرف عمليات تحوّلت إلى ساحات نجاة أخيرة، وبنزاهة قسمهم الطبي، يصبح هؤلاء الأطباء الشهود الوحيدين المحايدين والموثوقين على سلسلة الإبادات التي ترتكب بحق المدنيين، الصور التي يوثّقونها ليست مجرد لقطات، إنها أرشيف تاريخي لوجه الحقيقة حين يتعرّى العالم من عدالته.

يفتتح الفيلم بعرض أرقام صادمة، تعداد الشهداء والجرحى، حجم الدمار، عدد المنشآت الطبية المستهدفة، والمستشفيات التي خرجت عن الخدمة بفعل الحصار الممنهج ومنع دخول الادوية والمعدات الحيوية. هذه المقدمة الرقمية ليست خلفية سردية، بل شهادة دامغة تؤطّر ما سيأتي من سرد وتجربة.

يروي الدكتور طاهر، بصوت يضمّ البصمة الحادّة لمن عاش الفاجعة، تفاصيل لحظاته منذ لحظة دخوله غزة وحتى خروجه منها، يتحدث عن تجربته المباشرة في قلب الموت، وعن محاولته العودة مرة أخرى رغم أن الاحتلال منعه قسريًا، فقط لأنه عينٌ على الحقيقة وشاهد لا يمكن احتواؤه أو إسكات صوته، تعرّض للتهديد مرارًا، لكنه ظلّ متمسكًا بأن قول الحقيقة واجب أخلاقي لا يستطيع تجاوزه، فالمشاهد التي رآها، كما يصفها، نقشت في ضميره ما لا يمكن لأي قوة أن تمحوه.

ولشدّة إحساسه بالخطر، طلب من رفاقه في الفريق ألا يرافقوه مجددًا حفاظًا على حياتهم، لكنهم رفضوا التخلي عنه أو عن رسالتهم، مؤكدين أن الإنسانية لا تُمارس من بعيد، يعرض الفيلم قصصًا موجعة، شهادات حية، وصورًا لجثامين وأشلاء ومصابين، تُظهر حجم الفجيعة التي عاينها الطبيب وفريقه عن قرب.

يتحدث طاهر بألم واضح عن عجزه أمام حجم الكارثة الطبية، وعن الشعور القاسي الذي يلازمه حين يجد نفسه أمام جراح لا يملك لها أدوات الإنقاذ، كل لحظة عاشها هناك من ضجيج الأجهزة المعطلة إلى صراخ الجرحى المتروكين على حافة الحياة تتحول في الفيلم إلى تأمل فلسفي في معنى الواجب، ومعنى البقاء إنسانًا وسط عالم يشرعن الموت.

“المهمة” ليس مجرد فيلم وثائقي، إنه نداء ضمير، ورواية عن شجاعة المعرفة في زمن تُحارب فيه الحقيقة، وعن يدٍ طبيّة تحاول تضميد جراح مدينة تُستنزف بلا توقف.

زر الذهاب إلى الأعلى