أقلام حرة

قرار نتنياهو يكشف تصدع الداخل العميق للاحتلال

الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي

في مشهد يكاد يختزل حالة الارتباك التي تعيشها حكومة الاحتلال، أعلن بنيامين نتنياهو تعيين سكرتيره العسكري رومان غوفمان رئيساً جديداً لجهاز الموساد، بالإضافة لتعيين عدد كبير في الجيش والأجهزة الأمنية حسب الولاء له وليس الكفاءة، في قرار بدا أقرب إلى نوبة هلع سياسية منه إلى خطوة مؤسساتية مدروسة.

لم يعد نتنياهو يكترث حتى بحفظ الشكل أو التقاليد التي طالما تفاخر بها الكيان في إدارة أجهزته الأمنية، بل بات يتعامل مع واحدة من أخطر مؤسساته الاستخباراتية وكأنها مكتب تابع له، يوزّع مناصبها وفق معيار واحد لا ثاني له، الطاعة العمياء.

يأتي هذا القرار في وقت تتواصل فيه الإبادة المفتوحة في غزة، وتُخرق فيه كل هدنة وكل اتفاق بوقاحة متمادِية، بينما تتراكم الجرائم والفضائح والأكاذيب التي بات العالم كله يراها، باستثناء حكومة الاحتلال المحاصرة بغطرستها، ومع كل صاروخ يسقط على المدنيين، وكل طفل يُنتشل من تحت الركام، تتآكل صورة القوة التي يحاول نتنياهو تصديرها، ويتكشف المزيد من ضعفه وعجزه عن تحقيق أي مكسب حقيقي سوى المزيد من الدم والدمار.

وسط هذا المستنقع الأخلاقي والسياسي، لم يعد رئيس وزراء الاحتلال يخشى غزة وحدها، بل بدأ يرتعب من الداخل، من مؤسسته العسكرية، من أجهزته الأمنية، من رجاله أنفسهم، لم يعد السؤال بالنسبة له كيف يُنهي الحرب، بل كيف يضمن ألا تنقلب عليه هذه الحرب، وكيف يمنع أن يتحول فشله إلى سكين في ظهره من داخل المؤسسة التي لم تعد تثق بقيادته ولا بقراراته، وهنا تحديداً يمكن فهم تعيين غوفمان، ليس لأن الرجل عبقري استخباراتي، ولا لأنه يمتلك سجلاً استثنائياً في عالم الظلال، بل لأنه ببساطة الرجل المضمون، الذي سيقول نعم حين يطلب منه نتنياهو، سينفذ الأوامر دون أن يسأل!.

لقد تحوّل الموساد، في هذه اللحظة تحديداً، من جهاز يُفترض أنه يعمل لحساب ما يسمونه أمن الدولة إلى أداة لحماية رجل واحد مأزوم، مطارد بالملفات والإخفاقات والاتهامات، رجل بات مستعداً لدهس حتى ما تبقّى من قوانينهم وأعرافهم في سبيل البقاء، وإذا كان الجهاز الذي تفاخروا به لعقود قد بُني على الكفاءة والتدرج والخبرة، فإن نتنياهو اليوم يعيد صياغته على مقاسه الخاص، واضعاً الولاء له فوق كل اعتبار، حتى ولو كان ذلك على حساب تماسك المنظومة الأمنية نفسها.

السخرية السوداء في المشهد أن نتنياهو، الذي يدّعي الحزم والقوة، يتصرف بعقلية من يتوقع الطعنة من أقرب الناس إليه، هذا ليس سلوك قائد واثق، بل سلوك رجل مطارد بشبح الهزيمة والخذلان، حربه على غزة لم تنتج نصراً، بل مستنقعاً سياسياً وأخلاقياً يغرق فيه أكثر كل يوم، ومع كل فشل عسكري جديد، وكل فضيحة أخلاقية، وكل ضغط دولي، يزداد تشبثه بالكرسي، ويزداد معه استعداده لأن يعبث بكل ما حوله، حتى بالموساد نفسه.

إنه يعبث بكل شيء، بالدم، بالقانون، بالمؤسسة، وبالمنطق تدمير غزة لم يكفه، فقرّر أن يبدأ أيضاً بتفكيك ما تبقى من توازنات داخل كيانه، ومثل من يشعل النار في البيت خوفاً من اللص، يبدو أن نتنياهو اليوم مستعداً لحرق مؤسساته بيده كي لا تسقط من بين يديه.

وهكذا بينما تُرتكب المجازر في غزة على مرأى ومسمع من العالم، وتُدفن عائلات كاملة تحت أنقاض منازلها، ينشغل رئيس وزراء الاحتلال بترتيب ولاءات داخل الموساد، ليس دفاعاً عن أمن أحد، بل دفاعاً عن نفسه فقط، وهذا في جوهره، يكشف الحقيقة العارية لكل هذا المشهد، أن ما يحدث ليس حرباً لأجل أمن، بل جريمة مستمرة لأجل بقاء رجل خائف، رجل وصل به الأمر إلى أن يلعب حتى بقواعد جهازه السري ليؤخر لحظة سقوطه الحتمي.

زر الذهاب إلى الأعلى