منوعات

رجال يتعرضون للعنف الأسري في صمت مجتمعهم

الشاهين الاخباري

يتعرض بعض الرجال اليوم لأشكال من العنف داخل أسرهم، في ظاهرة تقلب الصورة المعتادة للرجل بوصفه الطرف الأقوى، لتكشف أن الضحية أحياناً قد تكون الزوج نفسه.

وفي مجتمع ينظر إلى الرجل باعتباره فاعلاً لا مفعولاً به، يبرز ما يُعرف بـ”العنف الوردي” أو “العنف بتاء التأنيث”، حيث تتحول البيوت من فضاء للأمان إلى ساحة صراع صامت، يخنق فيه الألم خوفاً من السخرية أو حفاظاً على صورة “الرجل القوي” في مجتمع لا يعترف بسهولة بضعف الذكور ولا بمعاناتهم.

وتتفجر خلف جدران المنازل قصص تتراوح بين العنف الجسدي والإهانة النفسية والضغط العاطفي والاقتصادي، ليظل كثير من الرجال صامتين تحت وطأة الخجل والوصمة الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور كمال الزمراوي، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة القاضي عياض بمراكش، في تصريح لجريدة “هسبريس الإلكترونية”، أن التحولات القيمية أدت إلى بروز حديث جديد حول العنف الأسري، لم يعد حكراً على الرجال ضد النساء.

ويشير الزمراوي إلى أن عنف الزوجات تجاه أزواجهن يظل محاطاً بجدار من الصمت والإنكار الاجتماعي، إذ يخشى الرجال السخرية وفقدان صورة الرجولة، ما يدفعهم إلى عدم التبليغ.

وأوضح أن العنف لا يقتصر على الجسد، بل يشمل الإهانة والتحقير أمام الآخرين، والحرمان العاطفي والمادي، ومنع رؤية الأبناء أو الامتناع عن العلاقة الزوجية، وهي ممارسات تهدد توازن الزوج والأسرة.

ويضيف الباحث أن بعض حالات العنف تنبع من اضطرابات نفسية أو تراكمات سابقة عاشتها المرأة في بيئات عنيفة، أو من شعور بالنقص وضغوط اقتصادية أو مهنية.

ويرى أن استقلال المرأة المالي وصعودها المهني قد يسهمان في إعادة تشكيل ميزان السلطة داخل الأسرة، مما يخلق توتراً قد يتحول إلى عنف متبادل، مؤكداً على ضرورة توفير العلاج النفسي الفردي والأسري، ونشر الوعي المجتمعي، وتفعيل مراكز الإرشاد الأسري مع وضع قوانين تحمي جميع الأطراف.

من جانبه، يؤكد الدكتور محمد شرايمي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، في تصريح لـ”هسبريس”، أن العنف الذي تمارسه الزوجات أو العنف المتبادل موجود بالفعل، لكنه يبقى مخفياً بفعل العار المرتبط بفقدان الرجل لهيبته، إلى جانب تصور قانوني يجعل المرأة الضحية الوحيدة.

ويستحضر شرايمي أمثالاً شعبية مغربية تُبرز صورة المرأة كطرف قادر على المكر والعنف الرمزي، مثل المثل القائل “كيد النساء أقوى من كيد الشيطان”، ما يعكس جذوراً ثقافية تؤطر فهم الظاهرة دون أن تبررها.

ويضيف أن بعض الزوجات قد يلجأن إلى العنف كوسيلة للهيمنة أو لإعادة توزيع السلطة داخل الأسرة، مستفيدات من التحولات الاقتصادية والثقافية، أو كرد فعل على عنف سابق أو إهمال في ظل غياب التواصل الصحي.

وأشار إلى أن المجتمع ما يزال يربط الرجولة بالقوة، ما يدفع الرجال المعنفين إلى الصمت خوفاً من المساس بمكانتهم الرمزية، فتظل الظاهرة غائبة عن الإحصاءات الرسمية، مما يعقّد تقدير حجمها ووضع سياسات فعالة لمعالجتها.

وتشير أحدث بيانات شبكة Arab Barometer (دورة 2023–2024) إلى أن الغالبية في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يرون أن العنف القائم على النوع الاجتماعي يشهد ارتفاعاً، رغم ندرة البيانات التفصيلية حول تعرض الرجال له بشكل خاص.

وفي المغرب مثلاً، يرى نحو 40% من المواطنين أن العنف القائم على النوع الاجتماعي قد انخفض، بينما يرى 39% أن الوضع مماثل بالنسبة للرجال. وتشير دراسات سابقة إلى أن الذكور ضحايا للعنف الأسري في عدد من الدول، حيث بلغت النسبة في اليمن 26%، وفي المغرب 25%، وفي مصر 23% من الأسر.

ورغم هذه المؤشرات، يظل العنف ضد الرجال داخل الأسرة موضوعاً غائباً عن كثير من الدراسات والإحصاءات الرسمية، وسط دعوات أكاديمية ومجتمعية لفتحه للنقاش بهدف تحقيق عدالة شاملة في معالجة قضايا العنف الأسري.

زر الذهاب إلى الأعلى