أقلام حرة

“أبو عبيدة” بين الخطاب السياسي والخلود في وجدان الشعب

الشاهين الاخباري

فداء الحمزاوي

كتبت مسبقا عن خطابات الملثم التي تحولت مع الوقت إلى بلسم للمحبطين وبصيص أمل لليائسين، أبو عبيدة الناطق الإعلامي لحركة حماس، بصوته القوي الحاسم ونبرته الثابتة ولغته السليمة ومصطلحاته المختارة بعناية، لم يكن مجرد متحدث رسمي، بل كان أشبه بضمير جماعي يعبر عن شعب كامل، في كل خطاب كان يظهر كالشمعة المضيئة التي تبدد ظلام الاحتلال وأكاذيبه وافتراءاته، وتعيد التوازن النفسي والمعنوي لجمهور المقاومة في الداخل والخارج.

انتظرت بضعة أيام قبل أن أكتب مقالي هذا، أردت أن أرى خبرا رسميا يؤكد أو ينفي خبر استشهاده، ولن أصدق مصدر رسمي سوى حركة المقاومة الفلسطينية، التي حتى هذه اللحظة لم تؤكد ولم تنفِ، لذلك، إن كان أبو عبيدة قد ارتقى شهيدا، فمبارك له منزلة الشهداء، وإن كان حيا، فمبارك له كيد الأعداء وعجزهم عن النيل منه، في كل مرة كان يختم خطابه بجملة واحدة تحمل كل المعاني، “وإنه لجهاد، نصر أو استشهاد”، وكان آخر خطاب يحمل الجملة الأكثر ألما ووقعا موجعا على قلوب أصحاب الضمائر الحية “أنتم خصومنا أمام الله”.

إن اغتال الاحتلال القادة، فالمقاومة لا تتوقف، بل تنجب عشرات القادة على أهبة الاستعداد، فالمقاومة ليست أشخاصا بل فكرة، والفكرة لا تموت، وكيف يمكن لفكرة ولدت من رحم المعاناة والألم أن تزول؟ وكيف لمقاومة صاغها أطفال عاشوا هدم منازلهم، واستباحة أرضهم، وقتل أهاليهم، وبتر أطرافهم، أن تنتهي؟ لم تعد مجرد فكرة، بل تحولت إلى نهج متجذر في ذاكرة جيل كامل، وإلى انتقام يتغذى من جروحهم، ويكبر معهم يوما بعد يوم.

رأيت من فترة قريبة طفلا صغيرا جاء مع أهله من غزة إلى الأردن للعلاج، عمره أربع سنوات فقط، ابن شهيد، ترافقه شقيقته ذات الستة أعوام مبتورة اليد، سألته ببساطة عن حلمه المستقبلي، فأجابني بكلمة تختصر أجيالا، “قسامي، بدي أنتقم لأبوي”، هذه ليست مجرد رغبة طفل، بل انعكاس لوعي مبكر بأن حياته ومستقبله مسروق، وأن الرد على ذلك يكون بالانخراط في مسيرة المقاومة.

خطابات أبو عبيدة لم تكن مجرد كلمات، بل كانت جزءا من معركة الوعي، الاحتلال يدرك أن الحرب لا تحسم فقط على الأرض، بل أيضا في العقول والقلوب، لذلك كان حضور أبو عبيدة الإعلامي بمثابة جبهة ثانية، لا تقل أهمية عن ساحات القتال، صوته الثابت كان يوازن بين الرصاصة والكلمة، بين الفعل الميداني والخطاب السياسي، ليؤكد أن المقاومة مشروع حياة لا مشروع موت، وأنها قرار جماعي لا فردي.

لذلك، لا بكاء على أبو عبيدة إن صح خبر استشهاده، فالمسيرة لا تتوقف عند شخص، مهما كانت رمزيته، هناك من ينتظر ارتداء اللثام من بعده، وهناك من سيواصل حمل الرسالة جيلا بعد جيل، إنهم يدركون أن التحرير ليس خيارا، بل قدر، وأن هذه الأرض لن يتركها أصحابها إلا إذا ورث الله ما عليها.

زر الذهاب إلى الأعلى