
نيران في قلب دمشق… إسرائيل تقصف هيئة الأركان وتُعيد رسم قواعد الاشتباك
ملك سويدان
في خطوة غير اعتيادية من حيث الرمزية والمكان، شنت إسرائيل ضربة جوية استهدفت مبنى تابعًا لهيئة الأركان السورية في قلب العاصمة دمشق.
– كما جرت العادة في عمليات مماثلة – أثارت تساؤلات سياسية وعسكرية: هل كانت ضربة مدروسة بعناية ضمن قواعد الاشتباك المعهودة؟ أم إشارة لتغيير محتمل في قواعد اللعبة؟
تقليدياً، تركزت الغارات الإسرائيلية على مواقع في محيط دمشق، وعلى خطوط إمداد تابعة لإيران وحزب الله في الجنوب السوري أو قرب الحدود اللبنانية. لكن استهداف مبنى رسمي تابع للجيش السوري في العاصمة، يحمل رمزية عالية تتجاوز الأهداف التكتيكية.
هيئة الأركان ليست موقعاً عادياً. إنها رأس القيادة العسكرية في سوريا، واستهدافها – حتى لو كان الطابق المستهدف خالياً من قادة كبار – يعد رسالة قوية. الرسالة تقول: “نستطيع الوصول إلى عمق مؤسساتكم، متى نشاء، وكيف نشاء”.
بحسب مصادر عسكرية غربية، فإن الضربة جاءت رداً على نشاط متزايد لميليشيات مدعومة من إيران قرب الجولان السوري، وتحديداً محاولات لزرع عبوات ناسفة قرب الحدود. هناك أيضاً حديث عن نقل تقنيات متقدمة من إيران إلى سوريا، تشمل أنظمة دفاع جوي أو طائرات مسيّرة دقيقة التوجيه.
وبينما لم تعلن إسرائيل رسميًا عن طبيعة الأهداف، فإن سياق الضربة يشير إلى أنها أرادت إحداث صدمة معنوية وعسكرية للنظام، دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.
من الناحية العسكرية، لا يبدو أن إسرائيل تسعى إلى تصعيد واسع. فهي، على الأرجح، اختارت توقيتاً لا يتواجد فيه ضباط كبار في المبنى، كي لا تقتل “رمزًا سياديًا” وتضطر لردود أكبر. هي ضربة محسوبة: موجعة، لكن لا تطيح بالتوازن.
ومع ذلك، فإن الجرأة في اختيار الهدف تشير إلى تغير في قواعد الاشتباك. لم تعد إسرائيل تكتفي بضرب المستودعات والمخازن الحدودية، بل بدأت تختبر جدوى ضربات مركزية في العاصمة.
حتى الآن، الرد السوري اقتصر على إطلاق مضادات أرضية “دون فعالية حقيقية”، كما هو معتاد في مثل هذه الحالات. لكن بقاء النظام صامتاً أو مكتفياً بالتصريحات، يعزز قناعة إسرائيل بأن دمشق ليست في موقع يسمح لها بالرد، خاصة في ظل هشاشة الجبهة الداخلية السورية وتدهور الوضع الاقتصادي.
لكن الخطورة تكمن في احتمالية أن تلجأ طهران أو حزب الله إلى الرد نيابة عن دمشق، ما يفتح الباب لتوتر إقليمي لا يرغب أحد في اشتعاله حالياً، لا في طهران ولا في تل أبيب.
في النهاية، الضربة الإسرائيلية على هيئة الأركان السورية لم تكن عشوائية. هي ضربة سياسية بغطاء عسكري، تهدف إلى إرسال رسائل في كل الاتجاهات: إلى دمشق أولاً، إلى طهران ثانياً، وربما إلى موسكو وواشنطن أيضاً.
إسرائيل لا تريد الحرب، لكنها مستعدة للمخاطرة. وسوريا لا تريد التصعيد، لكنها باتت في موقع من يتلقى الرسائل من دون أن يردّ.
وفي خضم هذا المشهد المعقّد، يبدو أن الجميع يسير على حافة الهاوية… بخطى محسوبة.






