أقلام حرة

حرب غزة والتحولات داخل المجتمع الإسرائيلي


بقلم المحامي زياد أبو زياد

أتحدث بين الحين والآخر مع بعض الإسرائيليين ممن أعرفهم من خلال عملي في السياسة وفي الكتابة. وهؤلاء الذين أتحدث معهم هم من الأكاديميين والمفكرين والنشطاء المجتمعيين،وهم من المعسكر المناوئ للاحتلال والاستيطان والذي يؤيد الحل السياسي القائم على أساس حل الدولتين، دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية مع حدأدنى لتبادل الأراضي يتفق عليه الطرفان وحل مقبول لقضية اللاجئين، كل ذلك وفقا ً لمبادرة السلام العربية لعام 2002. والصورة التي أخرج بها من حديثي معهم هي صورة قاتمة مقلقةللغاية.

فالكثير من هؤلاء لا يتردد في الإعراب عن احساسه بفقدان الأمان بعد هجوم 7/10 وكثيرمنهم يصدقون الصورة النمطية التي تم وما زال يتم رسمها لحركة حماس كحركة داعشية تقتلالمدنيين وتقطع رؤوس الأطفال وتغتصب النساء. وبعضهم يرى في القضاء على حركة حماس أمرا ً حيويا ً لكي يعيد للإسرائيليين شعورهم بالأمان، بينما هناك بعض آخر يعتقد بأنمن المستحيل القضاء على حماس لأنها ليست أشخاص بل فكرة والفكرة تنتقل من شخصلآخر وبالتالي لن يكون بالإمكان القضاء عليها.

وهؤلاء الذين يؤمنون بأن ليس بالإمكان القضاء على حماس لأنها فكرة ينقسمون الى مجموعتين، الأولى تعتقد بأن الحرب الحالية يجب أن تسُفر عن هزيمة عسكرية لحماس تؤدي مباشرة الى عملية سياسية تفُضي الى حل سياسي دائم للصراع على أساس حل الدولتين،

والثانية مرتبكة تنتظر نتائج الحرب الدائرة ولا تستبعد فكرة الهجرة أو الإقامة المؤقتة خارج إسرائيل اذا لم تسفر هذه الحرب عن نتائج حاسمة. 

ولفهم حقيقة هذه التغييرات حتى في المعسكر الذي كان ضد الاحتلال والاستيطان ويؤيد حلالدولتين وهو معسكر تقلص كثيرا ً في العقدين الماضيين ولكنه ظل موجودا ً ومؤثرا ً في

أوساط النخبة من الأكاديميين والمثقفين، علينا أن نعرف ماذا حدث في السابع من تشرين ثانيوكيف تم نقله الى المواطن الإسرائيلي. 

والحقيقة هي أننا لا نعرف ما الذي حدث لأننا لم نستمع أو نقرأ أية تقارير موثقة عنه، وكل ماوصل للرأي العام في إسرائيل والخارج هو من صنع الجهة الرسمية الإسرائيلية التي لا يمكنبأي حال من الأحوال قبول روايتها أو التسليم بها لأنها تفتقر لأية أدلة تضفي عليها صفةالمصداقية.

ومع ذلك فإن الأمر الذي يمكن أن ننطلق في التحليل منه هو حقيقة أن هجوم السابع من تشرينثاني ألحق هزيمة عسكرية ومعنوية بالجيش الذي لا يُقهر بل وإهانة لم يستطع الطرف

الرسمي ابتلاعها وكل ما يقوم به الآن هو محاولة لرد الاعتبار واسترداد الثقة بالنفس ورفعالمعنويات .فقد تم اجتياح المستعمرات الجنوبية وقتل المئات واختطاف المئات والسيطرة عليهاساعات وعلى بعضها أياما قبل عودة السيطرة العسكرية الإسرائيلية عليها. 

هذه الهزيمة والصدمة العنيفة التي نتجت عنها دفعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهومنذ اليوم الأول واتصاله الشهير بالرئيس الأمريكي جو بايدن الى ترويج رواية أن مقاتلي

حماس قطعوا رؤوس الأطفال واغتصبوا النساء بشكل وحشي وأن ما قاموا به لم يحدث مثيلا ًله منذ الهولوكوست! 

ولم يتوقف الأمر عند هذه الادعاءات بل بدأت حملة لترويج فيديوهات عن فظائع تم ارتكابهاأثناء الهجوم. وبعض هذه الفيديوهات التي تم وما زال يجري تداولها على وسائل التواصل

الاجتماعي يعود لأعمال قامت بها عصابات داعش في الماضي ولا صلة لها بالهجوم، وهناكفيديوهات يجب فحصها والتحقق من صحتها وهذا لا يمكن أن يتم إلا بعد انتهاء الحرب ومنقبل جهات محايدة. 

ترويج الروايات والفيديوهات المرعبة عما يزُعم أنه تم أثناء هجوم السابع من تشرين ثاني هو السبب الذي يكمن وراء التغيير الذي أصاب المعسكر الصغير الذي كان محسوبا ً على منيدعمون الحل السياسي وحل الدولتين وجعله في حالة من القلق والتردد، وهو أيضا السبب فيتأليب الرأي العام الإسرائيلي ضد الفلسطينيين وأثار مشاعر الحقد والكراهية ضد العربوالرغبة في الانتقام منهم وبأبشع الطرق.

 ولا شك بأنه كلما استمرت الحرب واستمر سقوط القتلى بين صفوف الإسرائيليين سيزداد هذاالشعور بالكراهية والحقد شراسة وتزداد الهوة عمقا بينهم وخاصة بين اليهود والعرب مواطنيإسرائيل، حيث إننا نعيش اليوم حالة فريدة من التباعد بين الطرفين بحيث أنه لا يجرؤ العربعلى الذهاب الى المناطق اليهودية ولا يجرؤ اليهود الى الذهاب للمناطق العربية. وقد حدثقبل يومين أن تعرضت سيدة عربية من الداخل حامل في الشهر الثامن وابنتها الى الضرب المبرح في بلدة نتانيا أدى الى اجهاضها لمجرد أن سمعها أحدهم تتحدث باللغة العربية.

وبالمناسبة، فإن المستوطنين الموجودين في الضفة الغربية قد وجدوا في أجواء هذه الحرب فرصة للاعتداءات على العرب ولا يخلو مكان فيه مستوطنين من قيامهم بالاعتداء علىالعرب وعلى ممتلكاتهم وحدث في أكثر من مكان أن قام المستوطنون بإطلاق النار وقتلمواطنين فلسطينيين عزُل وخاصة من القرويين الذين يتوجهون الى حقولهم لقطف ثمار الزيتون الذي حان قطافه منذ أواسط الشهر الماضي دون أن يتعرض هؤلاء المستوطنينللمساءلة القانونية عن جرائمهم. ولا تزال هناك المئات من الدونمات المزروعة بأشجارالزيتون لم يستطع أصحابها الوصول اليها إما بسبب اعتداءات المستوطنين أو بسبب قيامالجيش بتقطيع أوصال الضفة الغربية وإغلاق مداخل ومخارج القرى وعزلها عن بعضهاالبعض وعن حقولها التي حولها. 

والصورة بشكل عام هي أن الأبواق الإسرائيلية لا تزال تروج الأخبار والأشرطة عما تزعمأنه تم ارتكابه من قبل حماس في السابع من تشرين ثاني، كما أنها تقوم بتأجيج المشاعرالوطنية والفاشية بين اليهود وآخرها الحملة المسعورة التي بدأت أمس من خلال دعوةالإسرائيليين الى القيام برفع الأعلام الإسرائيلية على بيوتهم ومحالهم وسياراتهم والتي ستؤديالى خلق حال من الاستقطاب والفرز بين العرب واليهود مواطني إسرائيل وتجعل العرب هدفا ً سهلا ً لاعتداءات اليهود داخل إسرائيل وهذا يخدم مخطط بث الرعب والتهجير بينالعرب حتى بين من هم مواطنو إسرائيل.

لقد عاصرت حرب حزيران 1967 و1973 و1982 والانتفاضتين الأولى والثانية ولا أذكرأن الكراهية بين العرب واليهود سواء داخل إسرائيل أو في الأراضي المحتلة بلغت الحدالمقلق جدا ً الذي بلغته هذه الأيام والذي يُنذر بأنه سيزداد شراسة مع استمرار الحرب على غزة واستمرار حرب الإبادة التي تمُارس ضد شعبنا في غزة والفيديوهات والصور الفظيعةالتي تتناقلها وسائل الاعلام عن الجرائم الوحشية التي ترُتكب ضد شعبنا هناك أمام سمعوبصر العالم المنافق الذي أثبت تواطؤه مع هذه الحرب سواء من خلال السكوت عليها أوتبريرها. 

نحن نعيش مرحلة معقدة جدا ً من مراحل هذا الصراع وفي العلاقة بين العرب واليهود ويبقىالمعيار الأساسي الذي يمكن أن يكبح جماحها أو يطُلق لها العنان هو ما اذا كانت هذه الحرب ستستمر لمدة أطول أو أنها ستتوقف. ولا شك بأن على كل من هو حريص على مستقبلالعلاقة بين اليهود والعرب في هذا الجزء من العالم أن يُدرك بأن بذور الكراهية التي يتم بذرها وبكثافة هذه الأيام من خلال حرب الإبادة الحالية ستؤتي أكلها في المستقبل غير البعيدوأن الذي يقوم بزرع هذه البذور هو الذي سيكون الضحية بالتأكيد. وما أحوج الجميع الىوقف فوري للقتال والدمار ووقف تفاقم الأمور حتى لا تصل الى نقطة اللاعودة. 

 abuzayyadz@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى