حوار بدون شتائم
العميد المتقاعد زهدي جان بيك
لا يوجد حقيقة جامعة للبشر، لا تتعبوا أنفسكم في محاولة العثور على حقيقة جامعة للبشر… كل شيء له جانبين جانب ال (مع) وجانب ال (ضد)… كل شيء…وقد يكون هناك لا مع ولا ضد.
اذا كنت مسلما وتحاور يهوديا أو مجوسيا أو مسيحيا، أو ملحدا… فلن يفيدك قول انك تحاور شخص كافر… لأن كل طرف من الأطراف التي تحاورك يعتقد: “انك كافر”…
هذه هي طبيعة البشر منذ آدم الذي تشرف بالكلام المباشر مع الله، والحوار مع الملائكة، واجتاز امتحان المعرفة ضد جهل الملائكة النسبي، ومع ذلك… فإن آدم عليه السلام شك في طريق الحصول على الخلود… فاكل من الشجرة طمعا في الخلود وهو اصلا كان خالدا… ولو لا انه شك لبقي خالدا…
حتى وجود الله كان محل جدل وخلاف بين البشر…من عهد سيدنا نوح، الى حيرة سيدنا إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) وتساؤله المستمر: من الله؟ حتى وصل إلى إجابة مقنعة له على سؤاله…
واستمر هذا الجدل حول وجود الله وصولا الى ال “Rig-Veda” الهندوسية حول الإله، مرورا بالنيرفانا البوذية و الفيلسوف اليوناني Epicurus وفلسفة «مجادلة الشر» وبالحاد أحمد ابن الراوندي ووصولا الى عصر ماركس و داروين و نيتشه وسيغموند فرويد …
جدل وحوار حول وجود الله، وهي أعظم حقيقة نؤمن بها “نحن”… ولكنها عند غيرنا خيال…
جدل وحوار حول هذه الحقيقة ادى الى قتل، وحروب، ودمار،… ولكن الجدل لم، ولن يتوقف…
وكذلك حقيقة كروية الأرض ، فكل من ينكر كروية الأرض نعتبره جاهلا منكرا للحقيقة الواضحة وضوح الشمس “برأينا” … ولكن أعضاء جمعية الأرض المسطحة Flat Earth Society يعتبروننا جاهلين لأننا نؤمن بكروية الارض…
كروية الأرض ، هي حقيقة راسخة اثبتناها بالعلم والصور والنصوص الدينية من التوراة والإنجيل والقرآن…
ومقولة ان الارض مسطحة هي حقيقة راسخة عند البعض استدلوا عليها واثبتوها (بالعلم) والنصوص الدينية في التوراة والإنجيل والقرآن…ومن الطريف ان أشير هنا الى ان اكثر من 10 مليون أمريكي يؤمنون ان الارض مسطحة…
ومع كل هذا الحوار والجدل المستمر حول أعظم الحقائق منذ خلق آدم عليه السلام (بل وقبل خلقه) ، وحتى يومنا هذا… يأتيك أحدهم أو احداهن برأي (سياسي، اجتماعي، اقتصادي،… الخ) توصل اليه من تصفح جوجل أو توصل/ت اليه بجلسة في كوفي شوب… الخ، فإن لم تؤمن به، وتوافق عليه، وتقول آآآآميييين، فأنت كافر، خائن، متآمر، مرتزق، عليك الخزي والعار واللعن ومصيرك الجحيم…
اسلوب عجيب غريب في اختيار بعض الأطراف ل “حجة المفلس” الا وهي الشتم وارتفاع الصوت… ولحجة المفلس قصة اتركها لكم…
والمغزى من كل ما ذكرته هو:
الا يمكن أن يكتفي أطراف الحوار، أو النقاش، أو الجدال، بعرض آرائهم ومعتقداتهم وما يريدون دون المساس بالاطراف الأخرى على طاولة الحوار أو النقاش أو الجدال؟؟؟؟
لماذا يصر البعض على إشهار افلاسهم الفكري والاخلاقي، ويلجؤون الى الشتم والسب والاتهام الذي لا يثبت حقا ولا يدحض باطلا، ولكنه يظهر مدى إفلاس حجتهم؟؟…
في مناظرة بين ظالم وغلام، استنكر الظالم ان يرسل له اهل بغداد غلام حليق الذقن لمناظرته، فقال له الغلام: ان اردت كبيرا لمناظرتك فعليك بالبعير، وان اردت صاحب لحية فعليك بالتيس، وان اردت صاحب صوت عالٍ، فعليك بالديك… فبهت الذي ظلم ، وجلس للحوار.
اخيرا، ذات زمن قادني عملي الى إنجلترا، وأثناء مسيري في سوق المدينة ذات سبت مساءً، جاءني غلام من المجددين (born again)، ليدعوني الى الكنيسة.
قلت له : انا مسلم…
فقال: لا ضير ، تفضل الى الكنيسة وتعرف إلينا،
قلت: تعال معي الى المسجد وتعرف إلينا.
قال: بين الكنيسة والمسجد، غدا لدينا لقاء في قاعة المدينة (city hall)، تفضل معنا… ذهبت احتراما لمثابرته وإصراره، ولاشباع فضولي اثناء اجازة نهاية الاسبوع.
حدث وان قام كبيرهم بالقاء محاضرة تناول بها حادثة عبور موسى عليه السلام للبحر، ولكنه قال ان البحر المقصود هو نهر الأردن… انتهت المحاضرة،
سألني الشاب: ما رأيك؟
فقلت، لا يوجد معجزة في عبور نهر الأردن، فنحن ان شئنا نعبره مشيا، ولو تيسر لاحد الحضور في القاعة زيارة الأردن سيفقد إيمانه بالمعجزات عندما يرى نهر الأردن…. فقال: انت من هناك؟
قلت نعم…
ذهب إلى المحاضر وابلغه بما دار بيننا من حديث … جاءني المحاضر، لم يقل يا كافر، ولم يقل يا خائن، ولم يقل لعنة الله عليك كيف تشكك باقوالي، ولم يطردني، بل طلب مني ان اعيد ما قلته للشاب أمام الجميع… وافقت، فاستمعوا لي وانا أصف لهم وطني الأردن ونهر الأردن وما جاء في القرآن الكريم حول قصة موسى عليه السلام ، ثم شكروني، ورجوني أن استمر بزيارتهم، فدعوتهم لزيارة الأردن …
لا هم أسلموا، ولا انا تنصرت، ولا هم غضبوا ولا انا زعلت… التقينا غرباء… وافترقنا اصدقاء… وكل منا يحتفظ بما يؤمن به…
الحمدلله، ان ذلك جرى في زمن لا تتوفر به أدوات التواصل الاجتماعي.





