أقلام حرة

متلازمةُ عوزِ الحلولِ الجذريةِ: مطلبُ نقابةِ المعلمين نموذجا

د . محمد محمود محاسنة

يقاسُ نجاحُ الحكوماتِ بقدرتِها على خلقِ حالةٍ من الرضا المعيشيّ عندَ الشّعوبِ، وكلّما كانتْ الحكوماتُ أقدرَ على التنبؤ بالحدثِ لتلافي حدوثِه كانتْ أجدرَ بالنّجاحِ وبالبقاءِ، وبينَ هاتينِ المعادلتين: خلقِ حالةِ الرّضا المعيشيّ، والقدرةِ على التّنبؤ بالحدثِ تظهرُ حاجاتُ الحكومةِ إلى الحلولِ الجذريّةِ، ويمكنُ أن نتفقَ على أن الحلولَ الجذريّةَ: بنيةٌ ذهنيةٌ فرديةٌ أو جماعيةٌ ذاتُ طابعٍ شموليِّ تكامليٍّ، تجعلُ من الفردِ صورةً صغرى للمجتمع، لتقدَّمَ من خلالِه حُزمَ الإصلاحاتِ البنيويّةِ التي تطالُ الفردَ فالمجتمعَ بكاملِ تمثّلاته. ويجدُ المراقبُ للساحةِ الداخليةِ -حاليا- أنّ مطلبَ المعلمين قد استحالَ قضيةً سياسيةً بعدَ أن كانَ -في الأساسِ- مطلبا فنيا بحتا، والباحثُ عن تفسيرِ لهذهِ الحالةِ يجدُّ أنَّ الحكومةَ غيرَ جادةٍ في احتواءِ هذا الحدثِ، على الرغمَ من أنَّ الأصلَ التنبؤُ به لتلافي وقوعِهِ، وغيابُ جديةِ الحكومةِ هو تبرير سطحيٌّ للمسألةِ (تفضلُه الحكومةُ على الحقيقةِ)، ذلكَ أن افتراضَ صحتِه يعني أنَّ الحكومةَ قادرةٌ ولكنها لا تريدُ. ولتجاوزَ هذا التعليلَ إلى تعليلٍ أعمقَ وأدقَ سأقولُ: إنّ الحكومةَ لم تقدمْ حلولا جذريةً للمشاكلِ التي جاءتْ من أجلِ التعاملِ معها – بناءً على كتابِ التكليفِ السّامي-، وغيابُ هذه الحلولِ هو أيضا عَرَضٌ خطيرٌ من أعراضِ غيابِ التّصورِ الكليّ للأوضاعِ الدّاخليّةِ، يرافقُه ترهلٌ في اقتراحِ الإطارِ الزَّمنيّ اللازمِ لتفعيلِ الحلولِ الجذريّةِ –إن وجدت-. بالعودةِ إلى مطلبِ المعلمين -الذي أربكَ ويربُك الدولةَ بكاملِ تشكيلاتها-، فقد اتخذتْ الدولةُ منه مسرحا لاستعراضِ قدرتِها على التنفسِ تحتَ الماءِ فَتمنحَ نفسَها حضورا استعراضيا أمامَ معجبيها، على أنّ هذا الاستعراض لا يوحي –لا شكلا ولا مضمونا- بأنّها تملكُ حلا جذريا أو حتى التفكيرَ بحلٍّ جذريّ، بل حتى القدرةَ على التفكيرِ به، فالحلُّ الجذريُّ لا يبدأُ عندَ مطلبِ المعلمينَ ولا ينتهي به. وحتى نكونَ أكثرَ إنصافا، فإنّ هذه الحكومةَ ليستْ أوفرَ حظًا من سابقاتِها في هذا العوز، فمنذُ أمدٍ وهذه المتلازمةُ تعدُّ السّمةَ الأبرزَ في أداءِ الحكوماتِ، ولعلّها هي التي تُعللُّ لنا المحاولاتِ الدائمةِ للتعديلِ الوراثيّ الذي صارَ وسما ملازما لكلِّ حكومةً طالَ أم قصرَ عمرُها. في التحليلِ الأخيرِ، إذا كانَ مطلبُ المعلمينَ وآلياتُ الحصولِ عليهِ يشكّلان عقبتين عظيمتين أمامَ الحكومةَ، يصعبُ تجاوزُهما، فإنَّ أقلَّ ما يمكنُ أن يقالَ: إنّها حكومةٌ لم تشكّلْ بعدُ تصورا شموليا للوطنِ بكاملِ مكوناته، وعليه؛ فلا غرابةَ إنْ ظلَّ الحلُّ مؤجلا حتى يتمَّ تعديلٌ وراثيٌّ يتمُ بموجبِه التوجيهُ من جديدٍ لإيجادِ حلولٍ جذريّةٍ، وهيهاتَ لهذهِ المتلازمةُ أن تزولَ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *