أقلام حرة

أصــدقاء الرئيـس

د. قــدر الدغمـي

يُعتبر التعيين في الوظائف العليا في الدولة من صلاحيات الحكومة، حسب ما نص عليه الدستور والقانون، وفي الأردن تحديداً عادة ما يدفع الفضول البعض لإثارة ضجة كلما أقدم رئيس حكومة على تعيين أحد المسؤولين في أحد المواقع، بل يذهب بعضهم إلى تقديم احصائية للموظفين المحسوبين على الرئيس ويبدأ بتحليل مدى درجة العلاقة وصلة القرب معه، وكأن المطلوب منه أن يأتي بأشخاص لا يعرفهم أو لا يعرفونه.

في حقيقة الأمر لا تخلو أي حكومة من أصدقاء للرئيس المكلف يتم توزيرهم، ونتفق جميعاً على أن الواسطة والمحسوبية والانتقائية والعلاقات الشخصية في التعيينات مهما كانت أمر حساس ومرفوض لكنها تحصيل حاصل، لكن تبقى صلة العلاقة مع رئيس الحكومة أي رئيس كان ليست ” لعنــة” تطارد أصحابها، وتجعلهم محرومين من الوصول لتلك المناصب إذا توفرت فيهم الكفاءة والجدارة وكانوا يستحقون ذلك الموقع أو المنصب.

جرت العادة أن تعلو الأصوات المُشككة، والمُنتقدة كلما أجرى رئيس الوزراء تعديلاً على وزارته، وخروج بعض الوزراء منها، حيث يذهب البعض ويعتبر ذلك على أنه تصفية حسابات لخصوم معينين، علماً بأن رئيس الحكومة هو المعني تحديدا، وهو الذي يقوم بتقييم أداء وزرائه وهو العارف والمطلع بحاجة حكومته لهذا الشخص أو ذاك، واحياناً يفرض عليه طبيعة المواقع شخصا ما لإشغاله، والسؤال الذي ينبغي أن يثار حول ذلك هو: هل يمتلك هؤلاء الأشخاص المُعينين الكفاءة العالية، والأهلية القانونية لتقلدهم تلك المناصب دون غيرهم ..؟؟ طبعاً بغض النظر عن صلة قربهم أو بعدهم من رئيس الحكومة.

في عملية التشكيل والتعديل، عادة ما يغيب مبدأ تكافؤ الفرص، وأن يكون رئيس الحكومة غير مُلزماً به، فإذا نظرنا إلى تاريخ الدولة الأردنية تحديدا ومنذ استقلالها، نجد بأن هناك عائلات وأسر لا يزيد عددها عن عدد اعضاء مجلس الوزراء إذا جاز التعبير كان أبناؤها دائما في كل التشكيلات الحكومية، وعندما يخرجون منها تتولاهم المناصب العليا في الدولة داخليا أو خارجيا، ونجد ايضاً أن أبناء بعض الأسر بالتوارث معينين في المناصب الكبرى والعليا في الدولة، واستمروا فيها لعشرات السنين، في المقابل هناك عائلات وأسر لم تدخل الوظيفة العامة على الإطلاق، رغم أن هذا قد يبدو غير منصف للوهلة الأولى، إلا أن له أسبابه الموضوعية التي فرضتها ظروف تلك المرحلة.

نحن نعلم بأن الوظيفة العامة تكليفاً وليس تشريفاً، وقد لا يرغب البعض في تحمله وزر هذا التكليف ومسؤولياته فيعتذر عن المشاركة، لكن عملية احصاء أسماء المُقربين اجتماعيا من الرئيس، وتصويرهم وكأنهم جاؤوا من كوكب المريخ واحتلوا تلك المناصب، فيه مغالطة كبيرة، فليس مطلوباً من الشخص المكلف بتشكيل الحكومة على سبيل المثال أن يجري اختباراً لتسعة مليون مواطن ليستخرج منهم طاقمه الوزاري، والذي في أحسن احواله لا يتجاوز الثلاثون وزيراً، مع أن تشكيل الحكومات عادة يراعي فيها “الكوتا” والمحاصصة والتوزيع الجغرافي والديمغرافي.

علينا أن نكون واقعيين في الطرح وأن لا نُمارس ضغطا معنويا على رئيس الحكومة، يجعله يعدل عن تعيين الشخص المُناسب في المكان المُناسب، خوفا من أن توجه إليه تهمة تعيين الأصدقاء والمحاسيب والمقربين والجيران، فما يهمنا ليس مؤهلات الشخص وتحقيقه شروط المنصب، وإنما نظافة يده وسمعته وتفانيه وإخلاصه وحبه للوطن، ومدى نجاحه في أداء مهامه على أكمل وجه، أما العلاقات الشخصية ينبغي أن نتركها للأمـور الاجتماعية، فالوطن أكبر من الجمـيع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *